<< جنة مطير.. أربعة أشهر من صراع الجسد النحيل ضد متلازمة "بيكويث ويدمان" والسرطان
<< رئيس قسم الأطفال بمجمع ناصر: "بيكويث ويدمان" اضطراب وراثي معقد وخبرة ربع قرن لم تشهد سوى حالتين
<< مأساة عائلة زعرب.. "لانا" تلحق بشقيقها صهيب ضحية لمتلازمة "فانكوني بيكل" المنسية
<< مدير صحة غزة: الكارثة: تلوث البيئة وسوء التغذية الحاد وراء قفزة الأمراض النادرة
<< الرضيعة أيسل ماضي.. تسعة أشهر من الارتخاء وتشنجات العضلات تحت وطأة "حموضة الدم"
<< مدير الشفاء الطبي: مستشفيات غزة تقترب من العجز الكامل وأقسام الحضانة والكلى في خطر داكن
<< متلازمة "كسارة البندق".. اليافع عبدالله أبو صبيح يواجه خطر الفشل الكلوي على سرير الانتظار
<< وزارة الصحة الفلسطينية تناشد: ثلث الأدوية الأساسية رصيدها "صفر" واحتجاز أموال المقاصة يقتل المرضى
<< ليان أبو ستة.. 20 يوما من غياب الوعي والقيء المستمر بفعل اضطراب "الاستفراغ الدوري"
<< الطفل تيم خير الله.. متلازمة نادرة تلتهم خلايا السمع وتسرق براءة الطفولة
<< غزل حرز الله.. رضيعة في يومها السادس عشر تصارع جلطات الدم وخطر بتر الأطراف
<< محمد ضبان.. الشاب الذي حوّلت متلازمة "ستيفن جونسون" جسده وأغشيته المخاطية إلى ساحة للألم
لم تمهل متلازمة بيكويث ويدمان النادرة الطفلة الفلسطينية جنة مطير كثيرا، فبعد أشهر قليلة من ولادتها وسط ظروف صحية وإنسانية بالغة القسوة في غزة، فارقت الحياة تاركة خلفها قصة موجعة لطفلة لم تعرف من الدنيا سوى الألم والمستشفيات والمعاناة.
وكانت جنة، التي رحلت عن عمر أربعة أشهر فقط، واحدة من أكثر الحالات الطبية ندرة وخطورة بين أطفال غزة، إذ ولدت مصابة بمتلازمة بيكويث ويدمان، وهي اضطراب وراثي نادر تسبب لها في سلسلة من المضاعفات الصحية المعقدة، شملت تضخما شديدا في الكليتين واللسان، وثقبا في القلب، وفتقا بالسرة، إلى جانب تضخم غير متوازن في الجانب الأيسر من جسدها، وانخفاضًا حادا ومتكررا بمستوى السكر بالدم.
ومع مرور الوقت، ازدادت حالتها الصحية سوءا بعدما اكتشف الأطباء انتشار خلايا سرطانية في جسدها الصغير، في وقت كانت تعاني فيه من صعوبة بالغة في الهضم نتيجة ضغط الكليتين المتضخمتين على الجهاز الهضمي، ما جعل وضعها الطبي بالغ الخطورة ويتطلب رعاية متخصصة وإمكانات علاجية غير متوفرة داخل القطاع.
وعاشت عائلة جنة شهورا من القلق والخوف، وهي تحاول توفير الحليب الطبي والأدوية الأساسية التي تحتاجها طفلتها للبقاء على قيد الحياة، وسط نقص حاد في المستلزمات الطبية وتدهور غير مسبوق في الخدمات الصحية بالمستشفيات، فيما أكد الأطباء مرارا أن حالتها تستدعي علاجا عاجلا خارج غزة.
ورغم حصول الطفلة على تحويلة طبية للعلاج بالخارج، فإن تدهور حالتها الصحية كان أسرع من كل المحاولات، لتنتهي رحلتها القصيرة بالوفاة بعد صراع مرير مع المرض، لتتحول قصتها إلى واحدة من أكثر القصص الإنسانية إيلامًا بين أطفال غزة المرضى.

الطفلة جنة مطير
صرخات الأم
وقالت والدة الطفلة إن الأطباء أخبروها منذ اللحظة الأولى بولادة جنة أن ابنتها تعاني من متلازمة نادرة تجعل طريق العلاج طويلا وصعبا، مؤكدة في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الأسرة كانت تتمسك بالأمل في إنقاذها رغم تعقيد حالتها الصحية وتعدد الأمراض التي أصابتها.
ورحيل جنة مطير لا يمثل مجرد فقدان طفلة مريضة، بل يعكس حجم المعاناة التي يعيشها آلاف الأطفال المرضى والجرحى في غزة، الذين يواجهون أمراضا خطيرة في ظل نقص الإمكانات الطبية وصعوبة الوصول إلى العلاج المتخصص، حيث أصبحت قصتها شاهدا جديدا على الثمن الإنساني الباهظ الذي يدفعه الأطفال في القطاع.
ولم تكن جنة الحالة الوحيدة التي فقدت حياتها بعد صراع مع الأمراض النادرة، إذ يحذر أطباء ومؤسسات صحية من أن استمرار تعثر وصول المرضى إلى العلاج التخصصي خارج القطاع يهدد حياة العديد من الأطفال الذين ينتظرون فرصة للعلاج، فيما تبقى قصتها رسالة مؤلمة تدعو إلى التحرك العاجل لإنقاذ من لا يزالون يصارعون المرض والألم داخل غزة.

تقرير الطفلة الفلسطينية جنة مطير
معاناة مرضى المتلازمات النادرة
في غزة، لم تعد الحرب تقتل الأطفال بالقصف وحده، بل باتت تحصد أرواحهم أيضا بصمت داخل غرف المستشفيات المدمرة، وعلى أسرة العلاج التي خلت من الدواء، وبين قوائم انتظار طويلة لأطفال يحتاجون إلى فرصة للحياة قبل أن يسبقهم الموت إليها، فبينما تتجه أنظار العالم إلى أعداد الضحايا الذين يسقطون تحت القصف، تتوارى خلف الأرقام مأساة أخرى لا تقل قسوة، يعيشها مئات الأطفال المصابين بالأمراض النادرة والمستعصية، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مزدوجة مع المرض من جهة، والانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية من جهة أخرى.
ومنذ اندلاع الحرب، تعرض القطاع الصحي في القطاع لخسائر كارثية طالت المستشفيات والمراكز التخصصية والمختبرات الطبية، كما أدى النقص الحاد في الأدوية والمستهلكات الطبية والأجهزة التشخيصية إلى حرمان آلاف المرضى من الرعاية التي يحتاجونها، أما الأطفال المصابون بالأمراض النادرة، فقد كانوا من بين الفئات الأكثر هشاشة ومعاناة، لأن حالاتهم تحتاج إلى متابعة دقيقة وأدوية متخصصة وفحوصات دورية لا تتوفر في غزة، حتى في الظروف الطبيعية، فكيف الحال في ظل حرب طويلة أنهكت كل مقومات الحياة.
ويعيش هؤلاء الأطفال وعائلاتهم يوميا تحت وطأة الخوف من تدهور مفاجئ قد لا يجدون له علاجا أو طبيبا أو سريرا شاغرا في مستشفى، فالأمراض الوراثية النادرة والمتلازمات المعقدة وأورام الأطفال وأمراض التمثيل الغذائي لا تنتظر انتهاء الحرب، بل تستمر في التهام أجسادهم الصغيرة يوما بعد يوم، بينما تتراجع فرص العلاج مع استمرار النقص في الأدوية ومنع أو تأخير دخول العديد من المستلزمات الطبية الأساسية إلى القطاع.
صرخات المصابين في غزة
حالتان لمتلازمة بيكويث ويدمان خلال 25 عاما
ويؤكد الدكتور أحمد الفرا، رئيس قسم الأطفال بمجمع ناصر الطبي، أن الطفلة جنة كانت تعاني من متلازمة بيكويث ويدمان، وهي من أندر المتلازمات الوراثية التي قد يولد بها الإنسان، موضحا أن هذه الحالة لا تعد مرضا عابرا يمكن الشفاء منه، بل اضطرابا وراثيا معقدا يرافق الطفل منذ الولادة ويؤثر على العديد من أعضاء الجسم.
ويقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن متلازمة بيكويث ويدمان من الحالات النادرة للغاية على مستوى العالم، حيث تصيب أعدادا محدودة للغاية من الأطفال، مشيرا إلى أن خبرته الطبية الممتدة لأكثر من خمسة وعشرين عاما في مجال طب الأطفال لم تشهد سوى حالتين فقط مصابتين بهذه المتلازمة، من بين آلاف الحالات التي تعامل معها خلال مسيرته المهنية.
ويضيف أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في ندرة المرض، وإنما في تعقيد مضاعفاته الصحية التي قد تشمل تضخم بعض أعضاء الجسم، واضطرابات في النمو، ومشكلات بالقلب والجهاز الهضمي، إضافة إلى ارتفاع احتمالية الإصابة بأورام سرطانية لدى بعض الأطفال المصابين بها.
آلاف المصابين في غزة ينتظرون العلاج
ويوضح رئيس قسم الأطفال بمجمع ناصر الطبي، أن المتلازمة نفسها لا يوجد لها علاج شاف سواء داخل قطاع غزة أو خارجه، لأن الطفل يولد بها كحالة وراثية دائمة، إلا أن الرعاية الطبية المتخصصة والمتابعة المستمرة يمكن أن تساعد في التعامل مع المضاعفات المصاحبة لها والتخفيف من آثارها الصحية قدر الإمكان.
ويشير إلى أن حالة الطفلة جنة كانت من أكثر الحالات تعقيدا وصعوبة، نظرا لتعدد المشكلات الصحية التي عانت منها منذ ولادتها، وهو ما جعلها تحتاج إلى رعاية طبية دقيقة ومستمرة، وسط ظروف صحية وإنسانية بالغة الصعوبة يعيشها القطاع الصحي في غزة، لافتا إلى أن هناك ملف الأيتام يعتبر الأصعب في غزة
ويتابع :" ما زلنا نعيش مرحلة الحرب وكل يوم يصلنا إصابات وشهداء، وهناك 58 ألف يتيم تم تسجيلهم خلال العدوان، و5000 طفل يتيم من طرف الأب بسبب الحرب، و 4200 طفل يتيم من طرف الأم، ولدينا العديد من القصص المؤلمة لأطفال مرضى السرطان وأصحاب الأمراض النادرة".
متلازمة "فانكوني بيكل" تحصد روح لانا وشقيقها
لم تحتمل الطفلة الفلسطينية لانا زعرب سنوات المرض الطويلة، ولا شهور الانتظار القاسية على أبواب العلاج المغلقة، فلحقت بشقيقها الأصغر صهيب الذي رحل قبلها بالمرض الوراثي النادر ذاته، تاركة خلفها قصة موجعة لعائلة خسرت طفلين بسبب متلازمة نادرة وعجزت عن إنقاذهما في ظل انهيار المنظومة الصحية.
الطفلة الفلسطينية لانا زعرب بعد الإصابة
وعاشت لانا سنواتها الأخيرة في صراع مرير مع متلازمة "فانكوني بيكل"، وهي من الأمراض الوراثية النادرة التي تسببت في تدهور متواصل لوضعها الصحي، حيث عانت من لين شديد في العظام، وتضخم خطير في الكبد والطحال، والتهابات متكررة في الجهاز التنفسي، وارتفاع دائم في درجات الحرارة، إلى جانب فقدانها القدرة على الحركة تدريجيا، حتى أصبحت حياتها مرتبطة بشكل كامل بأجهزة الأكسجين في أيامها الأخيرة.
وفي غزة، لا يرحل الأطفال المرضى دفعة واحدة، بل يخوضون رحلة طويلة من الألم والانتظار قبل أن يستسلموا للمرض، هكذا كانت قصة لانا، التي أمضت شهورا داخل أروقة مجمع ناصر الطبي، بينما كانت أسرتها تتشبث بأمل الحصول على فرصة سفر للعلاج خارج القطاع، علها تنقذ ما تبقى من حياتها، لكن الأمل كان يتلاشى يوما بعد يوم، مع استمرار تدهور حالتها الصحية وعدم توفر العلاج المتخصص الذي تحتاجه، لتتحول معركتها مع المرض إلى سباق خاسر مع الوقت، وبين تأخر إجراءات التحويل الطبي، وصعوبة السفر، ونقص الأدوية والإمكانات الطبية، انتهت رحلة الطفلة الصغيرة بالوفاة، بعدما عجز جسدها المنهك عن مواصلة المقاومة.
وكانت المأساة أكثر قسوة بالنسبة للعائلة التي سبق أن فقدت طفلها الأصغر صهيب بالمرض نفسه، بعد رحلة مشابهة من المعاناة والبحث عن العلاج، واليوم وجدت الأسرة نفسها تعيش الكابوس ذاته للمرة الثانية، وهي تراقب المرض يلتهم جسد ابنتها دون أن تملك القدرة على إنقاذها.
وقبل أيام قليلة من وفاتها، كانت والدتها تتحدث بحزن بالغ عن اللحظات التي تعيشها إلى جوار ابنتها، مؤكدة أنها كانت تشاهد حالتها تتراجع يوما بعد يوم دون أن تستطيع فعل أي شيء، حيث تقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"،: "كل يوم كنت أبكي وأنا أرى ابنتي تستسلم للمرض أمام عيني، وأشعر أنني عاجزة عن مساعدتها".
وتضيف: "اليوم بكيت وحسيت أن الدنيا كلها أغلقت في وجهي، ودعيت الله أن يصبر قلبي ويقويني على فراقها، لأنني استسلمت ولم أعد قادرة على فعل شيء".

واقع مؤلم لسكان غزة بسبب الحرب
وفي تصريحات سابقة، أوضحت والدة لانا أن ابنتها وُلدت مصابة بمتلازمة فانكوني بيكل، لكن تشخيص المرض تأخر بسبب نقص الإمكانات الطبية، ولم تتكشف أبعاد حالتها بشكل كامل إلا بعد ولادة طفل آخر من العائلة مصاب بالمتلازمة نفسها، مشيرة إلى أن طفلتها كانت تعيش حياة طبيعية نسبيا في سنواتها الأولى، تلعب وتمشي مثل بقية الأطفال، قبل أن تؤدي الحرب وانقطاع العلاج إلى تدهور حالتها بشكل متسارع.
وقالت الأم قبل وفاة ابنتها: "لانا كانت طفلة تحب اللعب والحركة، لكن بعد الحرب انقطع الدواء وبدأت صحتها تنهار شيئا فشيئا، حتى فقدت القدرة على الحركة وأصبحت تعتمد على الأكسجين بشكل دائم".
كما كشفت أن ابنتها كانت بحاجة إلى علاج متخصص وغذاء طبي خاص غير متوفر داخل القطاع، والأسرة تقدمت بطلب تحويلة للعلاج خارج غزة منذ أكثر من عام ونصف، إلا أن الانتظار طال دون أن تصل الموافقة التي كانت تتمسك بها الأسرة كفرصة أخيرة لإنقاذ الطفلة.
رحلت لانا قبل أن تحصل على تلك الفرصة، لتبقى قصتها شاهدا جديدا على معاناة الأطفال المصابين بالأمراض النادرة في غزة، حيث يتحول المرض في كثير من الأحيان إلى حكم بالموت البطيء، في ظل نقص العلاج، وتعطل فرص السفر، وانهيار الخدمات الصحية، بينما تواصل عشرات العائلات انتظار معجزة قد تنقذ أبناءها قبل فوات الأوان.
انهيار المنظومة الصحية في غزة
أسباب انتشار الأمراض النادرة
ويكشف الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة أسباب انتشار الأمراض النادرة خلال وبعد الحرب، مؤكدا أن ما يعيشه القطاع اليوم لم يعد يقتصر على كونه حربا تستهدف البشر والبنية التحتية، بل تحول إلى أزمة صحية وبيئية مركبة تهدد حياة الأجيال الحالية والقادمة، وآثار العدوان تجاوزت تدمير المنازل والمستشفيات لتطال المقومات الأساسية للحياة والصحة العامة.
ويقول إن البيئة التي يعيش فيها سكان غزة تعرضت لتدهور غير مسبوق خلال الشهور الماضية، بعدما تضررت شبكات المياه والصرف الصحي بشكل واسع، وتراكمت كميات هائلة من الركام والنفايات في المناطق السكنية، ما أدى إلى خلق بيئة خصبة لانتشار الأمراض والمشكلات الصحية المختلفة، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل والفئات الأكثر هشاشة.
جحيم يواجه الأطفال في غزة
ويوضح أن انهيار شبكات الصرف الصحي ونقص المياه النظيفة وتراجع القدرة على توفير الغذاء الصحي والمتوازن، كلها عوامل أسهمت في ظهور أمراض كانت محدودة الانتشار سابقا، كما زادت من حدة المشكلات الصحية المرتبطة بسوء التغذية والتلوث البيئي، لافتا إلى أن القطاع الصحي يرصد بصورة متواصلة مؤشرات مقلقة لتفاقم هذه الأوضاع.
ويضيف البرش أن من أخطر التداعيات التي يتم رصدها تزايد بعض الأمراض العصبية والحالات المرتبطة بتلوث البيئة والمياه، ومن بينها حالات متلازمة غيلان باريه، وهي من الأمراض العصبية الخطيرة التي قد تؤدي في بعض الحالات إلى فقدان القدرة على الحركة أو الإصابة بالشلل، إلى جانب ارتفاع معدلات بعض التشوهات الخلقية التي تصيب الأطفال حديثي الولادة.
المجاعة والأمراض في غزة بسبب الحرب
ويشير إلى أن الطواقم الطبية سجلت أيضا حالات لتشوهات خلقية مختلفة وأمراض نادرة، من بينها الشفة الأرنبية وتشوهات الأنبوب العصبي، وهي حالات ترتبط علميا بعوامل متعددة، أبرزها سوء تغذية الأمهات خلال الحمل ونقص الفيتامينات والمكملات الغذائية الأساسية، خاصة حمض الفوليك، إضافة إلى الظروف البيئية والصحية الصعبة التي تعيشها الأسر داخل القطاع.
ويشدد على أن الأزمة الصحية الحالية لا يمكن فصلها عن الظروف المعيشية والبيئية التي فرضتها الحرب، موضحا أن تلوث المياه، ونقص الغذاء الصحي، وشح الأدوية والمكملات الغذائية، وانهيار أجزاء واسعة من منظومة الرعاية الصحية، كلها عوامل تترك آثارا مباشرة على صحة الأطفال ونموهم وفرصهم في الحياة السليمة.
ويرى أن ما يحدث اليوم لا يمثل أزمة صحية مؤقتة فحسب، بل ينذر بتداعيات طويلة الأمد قد تستمر لسنوات، حيث ستنعكس آثار سوء التغذية والتلوث البيئي ونقص الرعاية الصحية على أجيال كاملة من الأطفال، سواء من خلال زيادة معدلات الأمراض المزمنة أو الإعاقات أو المشكلات الصحية المعقدة التي تحتاج إلى متابعة وعلاج طويل الأمد.
ويحذر من أن استمرار هذه الظروف دون تدخل عاجل سيؤدي إلى تفاقم معاناة الأطفال المرضى وأصحاب الأمراض النادرة، الذين باتوا يواجهون تحديات مضاعفة بين المرض من جهة، وصعوبة الحصول على العلاج والرعاية الطبية المتخصصة من جهة أخرى، مؤكدا أن حماية صحة الأطفال في غزة أصبحت قضية إنسانية ملحة تتطلب توفير الغذاء والدواء والمياه الآمنة والخدمات الصحية الأساسية بشكل عاجل ومستدام.
أيسل ماضي.. طفلة من غزة تواجه مرضا نادرا
ترقد الطفلة أيسل ماضي، البالغة من العمر تسعة أشهر فقط، وهي تصارع مرضا استقلابيا نادرا يتمثل في ارتفاع حموضة الدم، ما تسبب لها في ارتخاء شديد بالعضلات، خاصة في منطقة الرقبة، إلى جانب تكلسات في جذع النخاع وتشنجات عصبية حادة تعيق حركتها وتعرض حياتها للخطر.

الرضيعة إيسل ماضي
حالة الرضيعة تزداد سوءا يوما بعد يوم، في ظل نقص حاد في العلاجات والأجهزة الطبية داخل غزة، وهو ما حال دون قدرة الأطباء على إجراء الفحوصات الدقيقة لقياس نسبة الحموضة وتشخيص حالتها بشكل شامل، مما جعلها رهينة الألم والعجز الطبي، بحسب عائلتها، فإن الفريق المعالج في مجمع ناصر الطبي الأطباء، أشار إلى أن علاج الطفلة أصبح مستحيلا، مؤكدين ضرورة نقلها للعلاج خارج القطاع بشكل عاجل لإجراء الفحوصات والعلاجات المتقدمة التي يمكن أن تنقذ حياتها من التدهور المستمر.
وتقول والدة الطفلة الرضيعة أيسل ماضي: "آيسل ابنتي تعاني من مرض حموضة الدم، اكتشفناه وهي بعمر شهرين، وحينها دخلت العناية المركزة شهر كامل من المعاناة، وبعد الفحوصات اكتشفوا إنها مصابة بمرض استقلابي نادر اسمه حموضة الدم، مأثر على كل أعضاء جسمها وتسبب لها بارتخاء عام".
وتضيف الأم في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": "ابنتي عمرها تسعة شهور، لا تستطيع الوقوف أو الجلوس أو الأكل، ووضعها الصحي صعب للغاية، ومع تقلبات الطقس بين الشتاء والصيف يحدث لها التهابات على الصدر، مما يجعلنا نذهب بها إلى المستشفى إعطاء جلسات بخار".
وتتحدث عن ضعف المنظومة الصحية داخل القطاع وعدم قدرتها على علاج ابنتها: "هنا في غزة لا يوجد أدوية ولا حتى تحليل لنسبة الحموضة، لأنها غير متوفر نهائيا، وكل يوم تكبر فيه ابنتى يزيد أعراض المرض عليها، والارتخاء يزيد، بجانب التشنجات والنفس سريع للغاية، وأحيانا تحتاج أكسجين، وهي تحتاج للسفر والعلاج قبل أن نفقدها، حالتها بتسوء كل يوم، وما لنا غير رحمة الله عز وجل".

جرائم الاحتلال بحق سيدات وأطفال غزة
وتحولت قصص هؤلاء الأطفال إلى مآس إنسانية متكررة، حيث فقد كثير منهم حقهم في العلاج المبكر أو السفر إلى المراكز الطبية المتخصصة خارج غزة، فيما رحل آخرون بعد صراع طويل مع المرض بسبب غياب الإمكانات الطبية اللازمة لإنقاذهم، وبينما تكافح الأسر للحفاظ على حياة أبنائها، يجد الأطباء أنفسهم عاجزين أمام حالات تحتاج إلى تدخلات علاجية متقدمة لا يمكن توفيرها في بيئة صحية تعرضت للانهيار والاستنزاف على مدار أشهر طويلة.
وفي كل يوم يمر، تتسع دائرة الخطر المحيطة بالأطفال المرضى، خاصة أولئك الذين يعانون من أمراض نادرة لا تحتمل التأخير أو الانقطاع عن العلاج، إذ تتحول كل جرعة دواء مفقودة، وكل فحص مؤجل، وكل فرصة سفر ضائعة إلى تهديد مباشر لحياتهم، وبين جدران المستشفيات المنهكة، تتكرر المشاهد ذاتها، أطفال يصارعون المرض بأجساد هشة، وآباء وأمهات يلاحقون الأمل في الممرات، وأطباء يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه بإمكانات محدودة للغاية.
وتبقى مأساة الأطفال المصابين بالأمراض النادرة في غزة واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية إيلاما وخفاء، حيث لا تنتهي معاناتهم عند حدود المرض، بل تمتد إلى حرمانهم من أبسط حقوقهم في العلاج والرعاية الصحية، في واقع يهدد بتحويل أمراض كان يمكن التعايش معها أو علاج مضاعفاتها إلى أحكام بالموت البطيء، لتصبح قصصهم شاهدا حيا على الثمن الإنساني الباهظ الذي يدفعه الأطفال في قطاع أنهكته الحرب والحصار وانهيار الخدمات الصحية.
انهيار المنظومة الصحية في غزة
متلازمة نادرة تهدد حياته.. صرخة طفل من غزة يبحث عن علاج قبل فوات الأوان
وفي سياق الحالات الصحية الخطيرة التي تتفاقم بسبب الحصار ونقص الإمكانات الطبية فى غزة، تبرز حالة الطفل عبدالله أبو صبيح، البالغ من العمر 16 عاما، كأحد النماذج الأكثر إيلاما ومعاناة، حيث يعانى من متلازمة كسارة البندق" وهى حالة كلوية نادرة وشديدة الخطورة تسببت فى ارتفاع حاد بضغط الدم وتراجع ملحوظ فى وظائف الكلى، إلى جانب مغص كلوي مزمن وبيلة دموية، ومضاعفات طالت الخصية والمثانة نتيجة تأخر إجراء العملية الجراحية التى يحتاجها على وجه السرعة.
المريض عبدالله أبو صبيح
وتؤكد عائلته أن هذا التأخير المستمر أدى إلى دخول عبدالله المتكرر إلى المستشفى، فى ظل ألم متصاعد وعجز واضح عن توفير العلاج الجذرى داخل القطاع، الأمر الذى يزيد من تعقيد وضعه الصحى، فيما يحذر الفريق الطبى بمستشفى ناصر، من أن بقاء الحالة دون تدخل عاجل قد يقود إلى فشل كلوى دائم، وارتفاع خطر الإصابة بالجلطات بسبب ارتفاع الضغط بشكل مستمر.
ويحتاج الطفل بصورة ملحة إلى السفر الفوري للعلاج خارج غزة، لإجراء العملية الدقيقة التى قد تنقذ حياته قبل أن تتدهور حالته أكثر، إذ بات التأخير يشكل تهديدا مباشرا على حياته، وسط مخاوف عائلته من أن يفقد ابنهما فرصة العلاج فى الوقت المناسب.
خسائر 733 يوما من الحرب على غزة
ومن على سرير المرض، يروى الطفل عبدالله صبيح تفاصيل رحلته الشاقة بحثا عن علاج لا يزال بعيد المنال، قائلا: "حصلت على تحويلة من مجمع ناصر، وتمت الموافقة عليها رسميا واعتمادها من منظمة الصحة العالمية، وتواصلت معنا المنظمة وأخذوا كل البيانات وأسماء المرافقين، وحكوا أننى سأسافر بأقرب وقت".
جرائم الاحتلال في غزة
ويضيف فى تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": "مرت أسابيع كثيرة ولم تتواصل المنظمة معى ولا يوجد أى تطور، وكل ما نريده دولة تستضيفنى للعلاج، لأن حالتى نادرة للغاية وأنا الحالة الوحيدة بغزة التى تعانى من هذه المتلازمة".
التقرير الطبي لعبد الله أبو صبيح
ويشير عبدالله إلى معاناته الطبية المتفاقمة رغم كل محاولات الأطباء داخل غزة: "جاءت وفود طبية كثير على مستشفى ناصر، وأطباء أوعية دموية كبار، وجميعهم أكدوا أن إجراء العملية الجراحية لا يمكن أن يحدث داخل القطاع وحال إجرائها لن تنجح ولابد أن تجرى فى مركز طبى متقدم".
ويصف تأثير المتلازمة عليه بآلام مستمرة تهدد حياته: "المرض سبب لى مشكلات كبيرة فى الكلى والأوعية الدموية، وأصبحت أعانى من مغص كلوى دائم، وضغط الدم مرتفع للغاية بجانب حدوث مشكلات صحية بالمثانة وفى الخصية"، موجها رسالته:" أتمنى من الجميع أن ينظر لحالتى ويضعونها بعين الاعتبار وأتمنى صوتى يصل لكل العالم، يمكن أجد فرصة علاج قبل ما تتدهور حالتى أكثر".
تحذيرات الصحة
وحذرت وزارة الصحة الفلسطينية خلال بيان لها في 4 يونيو، من تسارع تفاقم أزمة الأدوية والمخزون الدوائي والمخبري والمستهلكات الطبية، موضحة أن أكثر من ثلث الأصناف الدوائية الموجودة في قائمة الأدوية الأساسية بات رصيدها صفر، وأن مئات الأصناف رصيدها أقل من حد الطلب الطارئ.
وأضافت، أن الأزمة المالية أدت إلى ضعف قدرة الحكومة على سداد مستحقات شركات الأدوية، نتيجة احتجاز الاحتلال لعائدات الضرائب الفلسطينية "أموال المقاصة" بشكل كامل منذ 15 شهرا، والتي تشكل حوالي 68% من إيرادات وزارة المالية، مما تسبب في تباطؤ أو توقف توريد الأدوية، ونقص حاد في أدوية الأمراض المزمنة، السرطان، والعناية المكثفة، واختلال في التوازن الاستراتيجي لمخزون الأدوية.
وأشارت إلى أن الأزمة الحالية تتزامن مع استمرار الكارثة الصحية والإنسانية في غزة، حيث تواجه المرافق الصحية هناك نقصا حادا في الأدوية والمستهلكات الطبية والوقود والمستلزمات المنقذة للحياة، لافتة إلى أن ️الاحتياجات الصحية في القطاع تتزايد بشكل غير مسبوق، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية من نقص حاد في الإمكانيات والموارد.
وناشدت الوزارة، المجتمع الدولي، والمؤسسات الأممية والإنسانية، والدول الشقيقة والصديقة، التدخل العاجل للضغط من أجل الإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة، وتقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي الفلسطيني، تجنبا لانهيار الخدمات الصحية الأساسية، داعية المانحين إلى توفير الأدوية المنقذة للحياة، والتي تقدر قيمتها بـ50 مليون دولار بشكل عاجل بما يكفي لمدة عام، إضافة إلى الأدوية ذات الأهمية البالغة بمبلغ 50 مليون دولار أخرى، كما دعت لتوفير أكبر قدر ممكن من الدعم المالي لتغطية رواتب موظفي الوزارة وبشكل عاجل.
ليان أبو ستة.. طفلة تصارع مرضا نادرا يفقدها الوعى 20 يوما
تعيش الطفلة ليان أبو ستة البالغة من العمر 12 عاما، وضعا صحيا شديد الخطورة بعد إصابتها بمرض نادر يُعرف بـ الاستفراغ الدوري"، وهو اضطراب حاد يتسبب في نوبات طويلة ومتواصلة من القيء تستمر لنحو عشرين يوما، تفقد خلالها وعيها كليا وتتوقف عن تناول الطعام، ما يؤدي إلى هبوط خطير في نسبة البوتاسيوم في الدم.
الطفلة الفلسطينية ليان أبو ستة
هذا النقص الحاد ينعكس مباشرة على أعصابها، فيتسبب في ضعف شديد وفقدان القدرة على المشي أو التحكم بأطرافها الأربعة، وسط عدم استجابتها لأي من العلاجات المتوفرة داخل القطاع، ومع غياب الإمكانات الطبية المتقدمة ونقص الأدوية الضرورية لعلاج مثل هذه الحالات المعقدة، يقف الأطباء عاجزين أمام تدهور صحة ليان المستمر، حيث أصبحت حياتها مهددة بعد تفاقم المضاعفات وفشل محاولات السيطرة على المرض.
أصبحت الطفلة بحاجة ماسة إلى تحويل عاجل للعلاج خارج غزة، خاصة في ظل انهيار المنظومة الصحية في القطاع، فكل يوم يمر يضعف جسدها أكثر، وكل لحظة تأخير قد تكون مصيرية في إنقاذ حياتها.
وتروي والدة الطفلة ليان أبو ستة، تفاصيل ما تعيشه ابنتها، قائلة: "طفلتى تصارع مرض نادر، الهجمة تستمر معها 20 يوما متواصلا، تفقد خلالهم الوعي تماما، ولا تتذوق أي شيء ولا يدخل جسمها أي طعام لكن تعاني من استفراغ مستمر".
وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن هذا الاستفراغ المستمر تسبب لها في انخفاض بنسبة البوتاسيوم في الدم وضعفا شديدا بالأعصاب، مما جعلها لا تستطيع الحركة أو التحكم في أطرافها الأربعة، ولا تستجيب لأي علاج موجود داخل غزة.
وتتابع الأم: "وضع ابنتي صعب للغاية ولا نعرف ما تنتهى معاناتها، والقئ قد يستمر لأسبوع ، وقد يصل لشهرا كاملا وخلال تلك الفترة تكون غائبة عن الوعي، وهي بحاجة علاج فوري خارج القطاع، فكل يوم يمر بزيد وضعها سوءا ونحن نخشى أن تزداد حالتها سوءا أكثر مما هي فيه".
وضع ليان الصعب يتزامن مع أعطال عديدة تواجه مستشفيات غزة، وهو ما يتطرق له عيد صباح، مدير التمريض في مستشفى كمال عدوان، الذي يحضر من أن توقف محطة توليد الأوكسجين في شمال القطاع سيؤدي إلى نتائج كارثية وخسائر بشرية كبيرة، خاصة في ظل عدم وجود بديل للمحطة الوحيدة.
ويوضح أن المحطة تعاني من أعطال متكررة نتيجة الضغط الكبير وساعات التشغيل الطويلة، فيما لا تتوفر بدائل كافية، في ظل منع الاحتلال إدخال المعدات والمواد اللازمة للصيانة.
فقد السمع.. متلازمة نادرة تصيب تيم خيرالدين
معاناة الأمراض التي تفتك بجسد الأطفال طالت أيضا تيم خيرالدين الذي لم يتعد عمره الثلاث سنوات، حيث أصيب بمتلازمة نادرة أدت إلى فقدانه القدرة على السمع، بجانب معاناته من سوء التغذية مما زاد من سوء حالته الصحية، ولا يجد علاجا له داخل القطاع بسبب انهيار المنظومة الصحية، مما يجعل فرص عودة السمع له صعبة.
الطفل تيم خير الدين
ويقول الصحفي الفلسطيني باسل خيرالدين، والد الطفل، إن ابنه مريض مصاب بعدة أمراض من بينها متلازمة نادرة ومن ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث فقد لحاسة السمع وبحاجة لعملية زرع قوقعة في أسرع وقت ممكن، متابعا :"حصلنا على تحويلة طبية من منظمة الصحة العالمية التي تواصلت معنا وأكدوا أنه سيتم العمل على سفره في أسرع وقت ممكن".
ويضيف ، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" :" ابنى مثل باقي الأطفال المرضى والمصابين الذين بحاجة إلى السفر وفي كل يوم يتأخر فيه علاج ابنى نفقد الأمل في عودة حاسة السمع من جديد "، متابعا:"هذه ليست قصة صحفية بل مناشدة واختبار للإنسانية ومحاولة هز ضمائر العالم بأن أطفالنا بحاجة للعلاج بالخارج وعشرات الآلاف من الأطفال لديهم تحويلات طبية يريدون فقط تسهيل سفرهم للخارج، وكل يوم ابنى يموت أمامى، خلايا السمع في المخ تفقد كل يوم".
التقرير الطبي لتيم خير الدين
وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية خلال بيان لها في 2 أبريل، أن انعدام توفر الزيوت في السوق المحلي في القطاع ينذر بكارثة صحية وموت حقيقي للمئات من المرضى في الأقسام الحساسة مثل العناية المركزة وحضانات الأطفال ومرضى الفشل الكلوي والعمليات الجراحية وتلف وفساد تطعيمات الأطفال ووحدات الدم وتوقف الخدمات الصحية للألاف من المرضى يوميا.
وناشدت الوزارة، كافة الجهات المانحة لشراء الزيوت للمولدات الكهربائية من خارج غزة والعمل على إدخالها للمستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، مطالبة المؤسسات الدولية للتدخل للضغط على الاحتلال لإدخال الزيوت اللازمة لضمان عمل وتشغيل المولدات الكهربائية في المستشفيات حيث يبلغ الاحتياج الشهري 2500 لتر.
انهيار القطاع الصحى في غزة
غزل حرز الله .. رضيعة تواجه خطر الموت بسبب مرض وراثي نادر
من جانبها تعاني الطفلة الفلسطينية غزل حرز الله، البالغة من العمر 16 يوما فقط، والابنة الوحيدة لعائلتها، من مرض وراثي نادر وخطير يهدد حياتها بشكل مباشر، إذ يظهر على جسدها كدمات زرقاء مؤلمة تنذر بتدهور حالتها سريعا، مع خطر حقيقي لبتر أطرافها إذا لم يتم التدخل الطبي الفوري.
تحتاج الطفلة إلى نقل بلازما بشكل مستمر كجزء أساسي من علاجها، إلى جانب حقن تحت الجلد تعمل كحل مؤقت لتخفيف حدة المرض، إلا أن حالتها الصحية لا تزال حرجة للغاية، وتشهد تدهورا متسارعا يثير القلق الكبير لدى الأطباء وذويها.
الطفلة الفلسطينية غزل حرز الله
حياة غزل تزداد خطورة مع تحذير الفريق الطبي المعالج من احتمال تدهور وضعها بشكل مفاجئ، خاصة في ظل النقص الحاد في الإمكانيات والمعدات الطبية في المستشفيات المحلية، وصعوبة إجراء الفحوصات الدقيقة لتشخيص حالتها بشكل كامل، وتؤكد عائلتها أن حالة الطفلة تتطلب نقلها بشكل عاجل إلى خارج البلاد لتلقي العلاج المتخصص، حفاظا على حياتها ومنع فقدان أطرافها قبل فوات الأوان.
وتروي والدة غزل حرز الله، معاناة ابنتها اليومية مع مرض نادر وخطير يعاني منه طفلتها، قائلة: "ابنتي تعاني من نقص فيتامين سي الوراثي، وهذا النقص تسبب في ظهور تجلطات بالدم بشكل مستمر، مما يجعل حالتها الصحية شديدة الخطورة".
وتضيف الأم في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الطفلة تتلقى حاليا عدة أنواع من العلاج، تشمل نقل البلازما بانتظام وحقن تحت الجلد "إبر لكسان"، بالإضافة إلى علاج الفبارين عن طريق الفم، مشيرة إلى أن هذه التدابير لا تعدو كونها حلولا مؤقتة للحفاظ على حياتها.
وتحذر من أن الوضع قد يتدهور بسرعة، موضحة: "غزل بحاجة ماسة إلى علاج فوري خارج البلاد، لأن هذا العلاج يمكن أن يقلل من تقلص التجلطات التي قد تؤدي إلى بتر الأطراف إذا لم يتم التدخل سريعا".
عدم توافر جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي
لم يعد المرض وحده هو الخطر الذي يهدد حياة المرضى، بل أصبح غياب أبسط أدوات التشخيص والعلاج حكما بالموت على آلاف الجرحى والمصابين بأمراض خطيرة ومزمنة، فمع تدمير المستشفيات واستنزاف ما تبقى من قدرات القطاع الصحي، يعيش الأطباء يوميا معركة قاسية لمحاولة إنقاذ الأرواح في ظل نقص حاد في الأجهزة الطبية الأساسية التي تعد حجر الأساس في تشخيص الأمراض وتحديد طرق علاجها.
وبينما تتزايد أعداد المرضى الذين يحتاجون إلى فحوصات متقدمة للكشف عن الأورام وأمراض الدماغ والأعصاب والإصابات المعقدة الناتجة عن الحرب، تجد المستشفيات نفسها عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية الطبية بسبب غياب الأجهزة التشخيصية الحديثة، وفي مقدمتها أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، التي توقفت بالكامل داخل القطاع بعد تدميرها ومنع إدخال بدائل لها.
هذا الواقع المأساوي لم يحرم المرضى من فرص العلاج فحسب، بل أدى إلى تفاقم حالات كثيرة وتأخر اكتشاف أمراض خطيرة كان من الممكن التعامل معها في مراحل مبكرة، فيما تحول انتظار التحويلات الطبية والسفر للعلاج خارج القطاع إلى رحلة طويلة تنتهي في كثير من الأحيان بفقدان المريض لحياته قبل أن يصل إلى وجهته العلاجية.
وفي وقت يواجه فيه القطاع الصحي واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخه، تتصاعد التحذيرات من التداعيات الكارثية لاستمرار منع إدخال الأجهزة والمستلزمات الطبية، وسط مخاوف من ارتفاع أعداد الضحايا الذين يفقدون فرص النجاة بسبب انهيار منظومة التشخيص والعلاج داخل مستشفيات غزة.
ويؤكد الدكتور خليل الدقران: المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، أنه منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على القطاع، يشن الاحتلال هجمة شرسة تستهدف القطاع الصحي بغزة، حيث لا يوجد حاليا أي جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي يعمل داخل المستشفيات ، بعد تدمير الأجهزة الثلاثة التي كانت متوفرة قبل العدوان، ومنع إدخال أجهزة بديلة، ما يعيق تشخيص العديد من الأمراض.
ويضيف أن الاحتلال لم يسمح منذ بداية العدوان بإدخال أجهزة طبية، بما فيها أجهزة الأشعة، ومعدات مرضى الكلى والعناية المكثفة، واستمر هذا الواقع حتى بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، مما أدى إلى وفاة العديد من المرضى نتيجة عدم القدرة على تشخيص حالتهم بشكل دقيق أو تقديم العلاج المناسب، بسبب غياب أجهزة الرنين المغناطيسي.
ويشير إلى أن أكثر من 1500 مريض فارقوا الحياة أثناء انتظار التحويل للعلاج خارج غزة، لافتا إلى أن ما تم إدخاله من مستلزمات طبية حتى الآن لا يتجاوز 10% من احتياجات المنظومة الصحية في القطاع.
وفاة محمد ضبان بمتلازمة ستيفن جونسون
في غرفة ضيقة تفتقر إلى أبسط مقومات الرعاية الطبية، صارع محمد ضبان معاناة قاسية مع المرض، في سباق مؤلم مع الزمن أدت إلى وفاته، بعدما تدهورت حالته الصحية بشكل خطير إثر إصابته منذ ثمانية أشهر بمتلازمة ستيفن جونسون النادرة، وهي من أخطر الأمراض الجلدية والمناعية.

محمد ضبان
هذا المرض حول جسد ضبان إلى ساحة للألم، حيث طفح جلدي حاد، وفقاعات وتقرحات عميقة تنتشر في أنحاء جسده، لم تترك جزءا إلا ولامسته، فيما امتدت الإصابة لتطال الأغشية المخاطية في الفم والعينين والمناطق التناسلية، مهددة وظائفه الحيوية وحياته بشكل مباشر، لينتهى به الحال إلى الوفاة بعدما لم يستطع السفر للخارج للعلاج.
وفاة محمد ضبان جاءت بعد معاناة من ارتفاع شديد في درجات الحرارة، وضيق حاد في التنفس، وعجز شبه كامل عن النوم أو تناول الطعام، بينما أشارت التقارير الطبية إلى مضاعفات داخلية أخطر تهدد أجهزته الحيوية.

إصابة محمد ضبان
حاولت الأطقم الطبية إنقاذ حياته بما توفر لديهم من إمكانيات محدودة، إلا أن النقص الحاد في الأدوية، وغياب العلاجات المتخصصة، وانهيار المنظومة الصحية، جعلت أيديهم مكبلة أمام تدهور حالته المتسارع، حيث حذر الأطباء قبل وفاته من أن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يؤدي إلى فقدان محمد حياته في أي لحظة نتيجة المضاعفات الشديدة.
وتروي والدة الشاب الفلسطيني محمد ضبان، تفاصيل معاناة لا تفارقها منذ أشهر قبل وفاة نجلها، قائلة: "ابني مر بحالة صحية خطيرة، حالته كانت تسوء يوميا منذ إصابته بهذه المتلازمة"، موضحة أن هذا المرض دمر جسده بالكامل، وترك عليه طفحا جلديا حادا وفقاعات وتقرحات مؤلمة في كل مكان، حتى لم يعد جزء من جسده سالما.
وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": "لم تتوقف الإصابة عند جلده فقط، بل امتدت لتصيب الأغشية المخاطية في فمه وعينيه والمناطق الحساسة من جسده، فلم يكن يستطيع النوم أو تناول الطعام، وكل ليلة كنت أراه يتألم أمامي، عاجزا عن الراحة، وكنت أشعر أن روحي تتقطع وأنا أراه يذوب أمام عيني".
وتؤكد والدة محمد ضبان، أن ما عناه ابنها كان أخطر مما يبدو، قائلة: "الألم ليس ظاهرا فقط، الأطباء أخبرونا قبل وفاته بأيام أن هناك مضاعفات داخلية خطيرة تهدد حياته في أي لحظة، فيما حاول الأطباء في مستشفيات غزة تقديم كل ما يستطيعون، لكن الإمكانيات محدودة للغاية، ولا توجد الأدوية أو العلاجات اللازمة لإنقاذه".
اقتراب المستشفيات من نقطة العجز الكامل
لم يعد الخوف يقتصر على أصوات القصف والانفجارات، لكن امتد إلى داخل غرف العمليات وأقسام العناية المركزة وحضانات الأطفال، حيث بات انقطاع الكهرباء أو نفاد الوقود يهدد حياة مئات المرضى في أي لحظة، فبين جدران المستشفيات المنهكة، يخوض الأطباء والمرضى معركة يومية من أجل البقاء، بينما تتآكل الإمكانات الطبية وتتراجع القدرة على تقديم أبسط الخدمات الصحية المنقذة للحياة.
ومع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية وما خلفته من دمار واسع في البنية التحتية الصحية، أصبحت المستشفيات في غزة تعمل في ظروف استثنائية وقاسية، وسط نقص متفاقم في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المولدات الكهربائية، وفي الوقت الذي تتزايد فيه أعداد المرضى والجرحى الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة ومستمرة، تتراجع قدرة المرافق الصحية على الاستجابة للاحتياجات المتنامية، ما يضع آلاف المرضى أمام خطر حقيقي يهدد حياتهم.
ويعيش المرضى في أقسام العناية المركزة والعمليات الجراحية على وقع أزمة متصاعدة، حيث أصبحت الكهرباء التي تبقي الأجهزة الطبية عاملة شريانا هشا يمكن أن ينقطع في أي لحظة، وبين نقص الوقود وتآكل المعدات وغياب الإمدادات الطبية الأساسية، تتعاظم المخاوف من انهيار ما تبقى من المنظومة الصحية في القطاع، الأمر الذي قد يحرم آلاف المرضى من حقهم الأساسي في العلاج والرعاية الصحية.
وفي ظل هذا الواقع المأساوي، يطلق المسؤولون الصحيون تحذيرات متكررة من اقتراب المستشفيات من نقطة العجز الكامل عن الاستمرار في تقديم خدماتها، وسط أزمة إنسانية تتفاقم ، فيما يبقى المرضى وعائلاتهم عالقين بين الألم والانتظار والخوف من أن تتحول أزمة الإمكانات إلى أحكام بالموت على من كانوا ينتظرون فرصة للحياة.
ويشير الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي بغزة، أن مستشفيات القطاع تواجه خطر التوقف الكامل عن العمل خلال أيام قليلة، بفعل النقص الحاد بالأدوية والمستلزمات الطبية بالإضافة لعدم توفر الزيوت والوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية.
ويوضح أن المستشفيات تعاني من نقص حاد بالأجهزة الحيوية بما في ذلك أجهزة التنفس الصناعي والعناية المركزة، بالإضافة إلى تآكل المخزون من مستلزمات أساسية مثل المحاليل الورديدية والشاش وأدوات العمليات الجراحية، مشيرا إلى أن انشغال العالم بالأحداث الجارية أسهم في تراجع الاهتمام بأوضاع غزة المأساوية، وسط مؤشرات تتزايد لعودة شبح المجاعة في ظل محدودية ما يُسمح بعبوره من مساعدات وبضائع.
ويحذر من تدهور الوضع الصحي للمرضى جراء عدم انتظام كميات الكهرباء التي تصل إلى الأقسام الحيوية من المولدات الكهربائية في المجمع، مؤكدا أن أقسام العناية المركزة والكلى والعمليات وحضانات الأطفال في مجمع الشفاء تواجه خطرا حقيقيا بسبب أزمة عدم توفر الزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المولدات الكهربائية.
ويشير إلى أنه تم اتخاذ إجراءات لتقليص ساعات تشغيل المولدات ذات القدرة الكهربائية العالية والاعتماد على مولدات أقل قدرة الأمر الذي قد يتسبب في أعطال تؤثر على عمل مجمل الأجهزة في أقسام المجمع.