حصلت مصر على دفعة جديدة من برنامج المساعدة المالية الكلية التابع للاتحاد الأوروبي، بعد أن أقرت المفوضية الأوروبية تحويل 1.5 مليار يورو، وهو القسط الثاني من الشريحة الثانية ضمن البرنامج البالغة قيمته 5 مليارات يورو، لترتفع بذلك قيمة التمويل الذي حصلت عليه القاهرة إلى 3.5 مليار يورو منذ إطلاق البرنامج، بينما يتبقى 1.5 مليار يورو فقط لصرفها خلال المرحلة المقبلة.
وسبق هذا الإعلان من وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، أشهر من المراجعات الفنية والاقتصادية والاتصالات السياسية بين القاهرة وبروكسل، وانتهى بتأكيد المؤسسات الأوروبية أن مصر استوفت المتطلبات اللازمة للإفراج عن التمويل الجديد.
فالبرنامج الأوروبي لا يقوم على صرف الأموال بصورة تلقائية، وإنما يرتبط بتحقيق مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية، ويخضع كل قسط لتقييم منفصل قبل اعتماده، وهو ما يفسر أهمية القرار الأخير بالنسبة للاقتصاد المصري وللعلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي.
لماذا وافق الاتحاد الأوروبي على صرف 1.5 مليار يورو لمصر؟
يرجع برنامج المساعدة المالية الكلية إلى اتفاق الشراكة الاستراتيجية والشاملة الذي وقعه الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في القاهرة خلال مارس 2024، والذي نقل العلاقات بين الجانبين إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية والشاملة".
وفي إطار هذه الشراكة، اقترح الاتحاد الأوروبي تقديم برنامج تمويل بقيمة 5 مليارات يورو لمساندة الاقتصاد المصري، باعتباره أحد أكبر برامج المساعدة المالية التي يقدمها الاتحاد لدولة شريكة خارج الاتحاد الأوروبي.
ويهدف البرنامج إلى دعم استقرار الاقتصاد الكلي، ومساعدة الحكومة المصرية في تغطية جزء من احتياجاتها التمويلية، وتعزيز قدرتها على مواصلة تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، إلى جانب دعم استقرار سوق النقد الأجنبي والحفاظ على استدامة المالية العامة.
ماذا يتبقى من برنامج الـ5 مليارات يورو؟
قسم الاتحاد الأوروبي البرنامج إلى عدة مراحل، بحيث يتم صرف التمويل تدريجياً بعد التحقق من تنفيذ الالتزامات المطلوبة، ففي عام 2024 حصلت مصر على الشريحة الأولى بقيمة مليار يورو، وفي يناير 2026 تم صرف القسط الأول من الشريحة الثانية بقيمة مليار يورو، ومع موافقة المفوضية الأوروبية الأخيرة، حصلت مصر على القسط الثاني من الشريحة الثانية بقيمة 1.5 مليار يورو، وبذلك بلغ إجمالي ما حصلت عليه القاهرة حتى الآن 3.5 مليار يورو، بينما يتبقى 1.5 مليار يورو سيتم صرفها بعد استكمال المرحلة الأخيرة من البرنامج.
ما الشروط التي استوفتها مصر للحصول على الدفعة الجديدة؟
وفق الوثائق الرسمية للمفوضية الأوروبية، فإن الموافقة على صرف التمويل جاءت بعد مراجعة شاملة لعدد من المؤشرات الاقتصادية والإصلاحات التي تعهدت بها الحكومة المصرية.
وشملت هذه المراجعة استمرار تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، والحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي، والتقدم في إصلاحات المالية العامة، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز دور القطاع الخاص، إلى جانب تنفيذ الإجراءات المرتبطة بالحوكمة والشفافية.
كما أخذت المفوضية في الاعتبار استمرار التزام مصر بالإصلاحات الواردة في مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين، والتي تحدد مجموعة من الإجراءات الواجب تنفيذها قبل صرف كل شريحة من البرنامج.
وبحسب الوثائق الأوروبية، فإن صرف أي دفعة لا يتم إلا بعد أن تؤكد المفوضية الأوروبية أن الدولة المستفيدة نفذت الإصلاحات المطلوبة، وأن برنامجها الاقتصادي يسير في الاتجاه المتفق عليه.
ما أسباب دعم الاتحاد الأوروبي لمصر؟
لا يرتبط القرار الأوروبي بالاعتبارات الاقتصادية وحدها، إذ تنظر بروكسل إلى مصر باعتبارها شريكاً استراتيجياً في عدد من الملفات الحيوية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وتشمل هذه الملفات أمن الطاقة، وتأمين طرق التجارة، والاستقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى جانب الدور الذي تلعبه القاهرة في القضايا الإقليمية، خاصة في قطاع غزة وليبيا والسودان ومنطقة شرق المتوسط.
وترى المفوضية الأوروبية أن استقرار الاقتصاد المصري يمثل عنصراً رئيسياً في استقرار المنطقة، وهو ما جعل الدعم الاقتصادي جزءاً من رؤية أوسع للشراكة بين الجانبين.
كما أشارت وزارة الخارجية المصرية إلى أن القرار يعكس الثقة التي يوليها الاتحاد الأوروبي للدور المصري في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، ولدورها باعتبارها ركيزة للاستقرار في الشرق الأوسط وجنوب المتوسط والقارة الأفريقية.
وأكدت وزارة الخارجية أن الأشهر الماضية شهدت تحركات واتصالات مكثفة مع مختلف مؤسسات الاتحاد الأوروبي، شملت المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي والدول الأعضاء، بهدف تأمين الدعم اللازم لتنفيذ مختلف محاور الشراكة الاستراتيجية.
وجاءت هذه الاتصالات بالتوازي مع متابعة تنفيذ الالتزامات الاقتصادية والفنية المطلوبة لصرف التمويل، وهو ما ساعد في استكمال إجراءات اعتماد الدفعة الجديدة.
هل الـ1.5 مليار يورو منحة أم قرض؟
لا يقدم برنامج المساعدة المالية الكلية في صورة منح مجانية، وإنما عبارة عن قروض طويلة الأجل بشروط تمويل ميسرة للغاية، يوفرها الاتحاد الأوروبي للدول التي تواجه ضغوطاً في ميزان المدفوعات أو احتياجات تمويلية استثنائية.
وتتميز هذه القروض بانخفاض تكلفتها مقارنة بالاقتراض التجاري، كما تمنح الدولة المستفيدة فترات سداد أطول، وهو ما يخفف من أعباء التمويل على الموازنة العامة.
ما الفرق بين حزمة الـ5 مليارات والـ7.4 مليار يورو؟
يخلط كثيرون بين البرنامج الذي أعلنت المفوضية الأوروبية صرف جزء جديد منه، وبين الحزمة المالية التي أعلنها الاتحاد الأوروبي في مارس 2024، فالـ7.4 مليار يورو تمثل القيمة الإجمالية لحزمة الشراكة الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي، وتشمل منحاً، واستثمارات، وضمانات تمويل، وبرامج تعاون في مجالات الطاقة والهجرة والتنمية.
أما الـ5 مليارات يورو فهي جزء من هذه الحزمة، وتحديداً برنامج "المساعدة المالية الكلية"، المخصص لدعم الاقتصاد المصري وتمويل احتياجات الموازنة والاقتصاد الكلي، ويتم صرفه على دفعات وفق شروط وإصلاحات محددة.
ماذا يعني القرار للاقتصاد المصري؟
يمثل التمويل الجديد دعماً إضافياً لموارد الدولة من النقد الأجنبي، كما يمنح الحكومة مساحة أكبر في إدارة احتياجاتها التمويلية، ويعزز ثقة المؤسسات الدولية والمستثمرين في استمرار برنامج الإصلاح الاقتصادي.
كما يحمل القرار رسالة بأن مؤسسات الاتحاد الأوروبي ترى أن مصر ما زالت تلتزم بمسار الإصلاحات الاقتصادية، وهو ما ينعكس إيجابياً على قدرة الدولة في جذب تمويلات جديدة من مؤسسات التنمية الدولية، والحصول على قروض بشروط أكثر ملاءمة.
ومع حصول مصر على 3.5 مليار يورو من إجمالي البرنامج، تتجه الأنظار الآن إلى الشريحة الأخيرة البالغة 1.5 مليار يورو، والتي سيظل صرفها مرتبطاً باستكمال الإصلاحات الاقتصادية والمالية المتفق عليها مع الاتحاد الأوروبي، في إطار الشراكة الاستراتيجية التي أصبحت تمثل أحد أهم مسارات التعاون بين القاهرة وبروكسل خلال السنوات الأخيرة.