لم تعد موجات الحر الشديدة التي تجتاح القارة الأوروبية هذا الصيف مجرد حدث مناخي استثنائي يمر عابرًا، أو أرقامًا مجردة تقيس درجات الحرارة وتعداد الخسائر البشرية والمادية.
ما يشهده صيف عام 2026 يمثل، بحسب الخبراء، تحولاً جيوسياسيًا واقتصاديًا جذريًا، أصبحت فيه التغيرات المناخية المحرك الأول واللاعب الأبرز في توجيه دفة الزراعة، والصناعة، وحركة التجارة الدولية.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، أن ما يحدث اليوم يجاوز فكرة "الطقس السيئ" إلى مرحلة إعادة هيكلة الشراكات الاقتصادية العالمية، فقد تجاوزت الحرارة عتبة الـ 40 درجة مئوية في قضمات متتالية التهمت دول أوروبا الغربية والوسطى، مقتربة من مستويات قياسية غير مسبوقة في تاريخ القارة.
كيف حبست "أوميجا" أنفاس أوروبا؟
تفسر التقارير العلمية هذا الغليان الأوروبي بظاهرة "القبة الحرارية"، الناشئة عن نمط جوي معقد يُعرف بـ "حاجز أوميجا" ، هذا النظام من الضغط الجوي المرتفع بات يعمل كغطاء محكم يحبس الهواء الساخن في طبقات الجو الدنيا فوق القارة، ويمعن في صد ومنع الكتل الهوائية الباردة القادمة من المحيط الأطلسي، والنتيجة المباشرة لهذا الحصار الجوي هي تحول موجات الحر من ظواهر مؤقتة إلى أزمات ممتدة لأسابيع.
هذه التطورات تأتي لتصدق تحذيرات خدمة "كوبرنيكوس" الأوروبية للمناخ، والتي أكدت مرارًا أن أوروبا باتت القارة الأسرع احترارًا على كوكب الأرض، بمعدل يفوق ضعف المتوسط العالمي.
ومع تسجيل أكثر من 95% من مساحة القارة درجات حرارة أعلى من معدلاتها التاريخية خلال العام الماضي، تحولت "الحرارة" من ملف بيئي مؤجل إلى أزمة اقتصادية ضاغطة ومباشرة.
فاتورة اقتصادية باهظة
حين تشتد الحرارة، يتأثر النبات كالإنسان تمامًا، وتتحول الحقول الزراعية إلى ساحات استنزاف، ويوضح فهيم الأثر الفسيولوجي القاسي على المحاصيل، فعند تجاوز الحدود الحرجة، تتراجع كفاءة عملية التمثيل الضوئي، ويرتفع معدل التنفس النباتي، فيما تقفز معدلات البخر-نتح بنسب تتراوح بين 30% و40%، هذا الخلل يتسبب في تراجع حاد بكفاءة التلقيح والإخصاب، لا سيما في محاصيل الحبوب، الخضر، والفاكهة.
يشار إلى إن ارتفاع متوسط درجات الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة فقط خلال مراحل النمو الحرجة، كفيل بخفض إنتاجية بعض المحاصيل بنسبة تتأرجح بين 5% و10%، وتتضاعف هذه الخسائر في محاصيل استراتيجية كالقمح والذرة في جنوب أوروبا حين تتزامن الموجات الحارة مع شح الرطوبة وجفاف التربة.
ووفقًا للخبراء هذا التراجع في الإنتاجية يصاحبه تصاعد حاد في تكاليف الإنتاج، حيث تندفع المزارع الأوروبية نحو استهلاك كثيف للطاقة والمياه لأغراض الري والتبريد، مما يضع مخزونات المياه الجوفية والسطحية في أوروبا تحت ضغط غير مسبوق، ويهدد أمنها الغذائي واستقرار سلاسل إمدادها.
أوروبا تحترق وتفرض "ضريبة الكربون"
في الوقت الذي تصارع فيه المزارع والمصانع الأوروبية لهيب الصيف، دخلت العلاقات التجارية الدولية مرحلة جديدة من الصرامة، فمع حلول عام 2026، بدأ التطبيق المالي الإلزامي لآلية تعديل حدود الكربون الأوروبية .
ولأول مرة في التاريخ، لم تعد الرسوم الجمركية تحتسب بناءً على بلد المنشأ أو القيمة المادية للسلعة فحسب، بل بناءً على حجم "الانبعاثات الكربونية" التي ولدت مع إنتاجها.
لقد تغير السؤال التقليدي للمستورد الأوروبي من: "ما هو سعر المنتج؟" إلى: "ما هي بصمته الكربونية؟"، وبموجب هذه الآلية، يتعين على الشركات المستوردة شراء شهادات كربونية تعادل الانبعاثات المصاحبة للبضائع، استنادًا إلى أسعار الكربون في نظام تداول الانبعاثات الأوروبي (EU ETS)، والتي تتراوح حاليًا بين 70 و95 يورو لكل طن من ثاني أكسيد الكربون.
وتشمل الآلية في مرحلتها الحالية قطاعات حيوية مثل الحديد والصلب، الأسمنت والأسمدة، الألومنيوم والهيدروجين، الطاقة الكهربائية.
والرسالة الأوروبية هنا شديدة الوضوح من يريد عبور بوابات السوق الأوروبية المشتركة، لا يكفي أن يقدم منتجًا رخيصًا وذو جودة، بل يجب أن يكون نظيفًا ومنخفض الكربون.
مصر في قلب المعادلة.. كيف تتحول الأزمة إلى فرصة؟
وسط هذا المشهد المعقد، تلوح في الأفق نافذة استراتيجية لمصر لإعادة تموضع صادراتها، فالضغوط المناخية التي تقوض استقرار الإنتاج الزراعي الأوروبي، تقابلها مزايا تنافسية جغرافية وهيكلية للدولة المصرية، فمصر تتمتع بالقرب الجغرافي من أوروبا، واختلاف مواسم الإنتاج، وخبرات تصديرية متراكمة، فضلاً عن الطفرة التي شهدتها في قطاع الزراعة الحديثة والصوب الزراعية.
أكد فهيم أن اقتناص هذه الفرصة وتحويل الزراعة المصرية إلى الرابح الأكبر يرتبط بشروط صارمة لا تقبل التأجيل، فالنجاح في المستقبل لن يقاس بوفرة الإنتاج وحدها، بل بالقدرة على إثبات الصداقة للبيئة.
ولتحقيق ذلك، يتطلب الأمر الإسراع في بناء منظومة وطنية متكاملة ترتكز على تطبيق نظم القياس والإبلاغ والتحقق لرصد الانبعاثات بدقة علمية، وإصدار شهادات البصمة الكربونية للمنتجات الزراعية والصناعية لتسهيل عبورها جمركيًا، والتحول نحو الطاقة المتجددة بدمج الطاقة النظيفة في سلاسل الإنتاج والتعبئة والتبريد، والزراعة الذكية مناخيًا بتعميم الممارسات التي تقلل من استهلاك المياه والمدخلات الكيميائية، وتطوير سوق كربون وطني يتوافق مع المعايير الدولية والاتجاهات الأوروبية.
الاستثمار في العقول
وشدد فهيم على أن التحول التاريخي الذي يشهده العالم اليوم يثبت أن الدول التي ستسود في المستقبل ليست بالضرورة تلك التي تمتلك مساحات شاسعة أو موارد مائية تقليدية فقط، بل هي الدول الأكثر مرونة وقدرة على التكيف، والأسرع في تبني ممارسات الإنتاج منخفض الكربون.
وأكد أن تحول المزايا الجغرافية والمناخية لمصر إلى مكاسب اقتصادية ملموسة على أرض الواقع بالاستثمار في رأس المال البشري والعقول الوطنية وتمكين العلماء والخبراء المصريين، لابتكار حلول علمية ترفع كفاءة الإنتاج وتقلل الانبعاثات، لتحويل التحدي الراهن إلى قفزة تنموية، مؤكدًا أن الفرصة سانحة اليوم أمام مصر، ليس فقط لتأمين احتياجاتها، بل لتصبح شريكًا استراتيجيًا لا غنى عنه للقارة الأوروبية في عصر "التجارة المناخية" الجديد.