تشهد مناطق الدلتا والوجه البحري والقاهرة، واحدة من أشد الموجات الحارة هذا الصيف، وسط تحذيرات من خبراء الطقس بارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 44 درجة مئوية في بعض المناطق يومي الأربعاء والخميس، نتيجة تداخل عدد من الظواهر الجوية التي أدت إلى تشكل ما يعرف بـ"القبة الحرارية"، وهي ظاهرة أصبحت أكثر تكرارًا مع التغيرات المناخية العالمية.
وأكد الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، أن الموجة الحالية نتجت عن تعمق تأثير منخفض الهند الموسمي بالتزامن مع سيطرة المرتفع الجوي شبه المداري، ما أدى إلى احتجاز الهواء الساخن فوق شمال الجمهورية، ورفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، مع استمرار الأجواء الحارة حتى خلال ساعات الليل.
وأوضح أن خطورة الموجة لا ترتبط فقط بالأرقام المسجلة على موازين الحرارة، وإنما بما يسمى "الطاقة الحرارية"، وهي الإحساس الفعلي بالحرارة الناتج عن تداخل الحرارة المرتفعة مع الرطوبة العالية، وهو ما يزيد من معدلات الإجهاد الحراري لدى الإنسان والنبات والحيوان، ويجعل تأثير الموجة أشد من المعتاد.
وتعد القبة الحرارية من الظواهر الجوية التي تعمل كغطاء يحبس الهواء الساخن بالقرب من سطح الأرض، ويمنع صعوده أو تجدد الكتل الهوائية، وهو ما يؤدي إلى استمرار الحرارة المرتفعة لعدة أيام متتالية، ويحد من انخفاض درجات الحرارة ليلًا، الأمر الذي يضاعف الضغوط على الصحة العامة والقطاع الزراعي.
مخاطر صحية متزايدة
ويحذر الخبراء من أن استمرار الحرارة المرتفعة ليلًا يحرم الجسم من فرصة استعادة توازنه الحراري، ما يزيد احتمالات الإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس، خاصة بين كبار السن والأطفال وأصحاب الأمراض المزمنة والعاملين في الأماكن المكشوفة.
ولهذا دعا فهيم المواطنين إلى الإكثار من شرب المياه والسوائل، وعدم انتظار الشعور بالعطش، مع تجنب التعرض المباشر للشمس أو بذل مجهود بدني عنيف خلال الفترة من الحادية عشرة صباحًا حتى الرابعة عصرًا، باعتبارها ذروة ارتفاع درجات الحرارة.
كما أوصى بارتداء الملابس القطنية الفاتحة، واستخدام أغطية للرأس عند الخروج، والحرص على تهوية المنازل وأماكن العمل، مع عدم ترك الأطفال أو كبار السن أو الحيوانات داخل السيارات المغلقة، حتى لفترات قصيرة، بسبب الارتفاع السريع في درجات الحرارة داخلها.
تحديات أمام القطاع الزراعي
ولا تتوقف آثار الموجة الحارة عند الإنسان، إذ تواجه المحاصيل الزراعية ضغوطًا كبيرة نتيجة ارتفاع الحرارة وزيادة معدلات البخر وفقد المياه من التربة والنبات، وهو ما قد ينعكس على الإنتاجية وجودة المحصول إذا لم تُتخذ الإجراءات المناسبة.
وشدد رئيس مركز معلومات تغير المناخ على ضرورة تقريب فترات الري وفقًا لطبيعة المحصول ونوع التربة، مع تجنب تعطيش النباتات، لأن الإجهاد المائي في مثل هذه الظروف يؤدي إلى ضعف النمو وتساقط الأزهار والثمار في بعض المحاصيل.
كما أوصى بأن تتم عمليات الري في الصباح الباكر أو بعد غروب الشمس، لتقليل الفاقد من المياه وتحقيق أفضل استفادة للنبات، مع تجنب الري وقت الظهيرة حيث ترتفع معدلات التبخر بصورة كبيرة.
وأشار إلى أهمية توفير التغذية المتوازنة للمحاصيل، خاصة بعنصري البوتاسيوم والماغنسيوم، لما لهما من دور في تعزيز قدرة النباتات على تحمل الإجهاد الحراري، مع حماية الثمار المعرضة لأشعة الشمس المباشرة، خصوصًا في محاصيل المانجو والرمان والطماطم والفلفل، لتقليل الإصابة بلسعة الشمس التي تؤثر على جودة الثمار وقيمتها الاقتصادية.
الآفات والأمراض تستفيد من الطقس الحار
وأوضح فهيم أن الموجة الحالية تخلق ظروفًا مناسبة لنشاط عدد من الآفات الزراعية، مثل دودة الحشد والمن والجاسيد والعنكبوت الأحمر، ما يستدعي تكثيف أعمال الفحص الدوري للمحاصيل والتدخل السريع بالمكافحة وفق التوصيات الفنية المعتمدة.
وأضاف أن ارتفاع الرطوبة وتكوّن الندى خلال ساعات الصباح قد يزيد من فرص انتشار الأمراض الفطرية والبكتيرية، خاصة داخل الصوب الزراعية، وهو ما يتطلب تحسين التهوية وتجنب الإفراط في الري.
تغير المناخ يفرض واقعًا جديدًا
ويرى خبراء المناخ أن تكرار الموجات الحارة وامتدادها لفترات أطول أصبح أحد أبرز مظاهر التغيرات المناخية، ما يفرض ضرورة تطوير نظم الإنذار المبكر، ورفع وعي المواطنين والمزارعين بطرق التكيف مع الظواهر الجوية المتطرفة، إلى جانب تطبيق الممارسات الزراعية الحديثة التي تقلل من آثار الحرارة المرتفعة على الإنتاج الزراعي.
وفي ختام تحذيراته، أكد الدكتور محمد علي فهيم أن يومي الأربعاء والخميس يتطلبان أعلى درجات الحذر، داعيًا المواطنين إلى الالتزام بالإرشادات الوقائية، والمزارعين إلى تنفيذ التوصيات الفنية الخاصة بالري وإدارة المحاصيل، لتقليل الخسائر المحتملة والحفاظ على الإنتاج الزراعي في ظل موجة توصف بأنها من أشد موجات الصيف الحالية.