أكد الدكتور محمد ممدوح عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان ورئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصري، أن العدالة هي الأساس الحقيقي لاستقرار الدول، وأن المجتمعات لا يمكن أن تشعر بالأمن والطمأنينة إلا عندما يثق المواطن في قدرة القانون على حمايته، وإنصافه، ومحاسبة كل من يعتدي على حقوقه دون تمييز أو انتقائية.
مفهوم العدالة الجنائية الشاملة
وقال ممدوح إن مفهوم العدالة الجنائية لا ينبغي اختزاله في توقيع العقوبة، فالعدالة منظومة متكاملة تبدأ من الوقاية من الجريمة، وتمر بإجراءات جمع الاستدلالات والتحقيق والمحاكمة، وتنتهي بتنفيذ العقوبة وإعادة التأهيل والدمج المجتمعي، بما يحقق التوازن بين حق المجتمع في الأمن، وحق الضحية في الإنصاف وجبر الضرر، وحق المتهم في محاكمة عادلة تتوافر فيها جميع الضمانات القانونية والدستورية.
وأضاف أن قوة الدولة وهيبتها لا تقاس فقط بقدرتها على توقيع العقاب، وإنما تقاس أيضًا بقدرتها على تطبيق القانون بعدالة وتجرد، وصون كرامة الإنسان في جميع مراحل التعامل مع منظومة العدالة، انطلاقًا من أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وأن حقوق الإنسان وسيادة القانون لا يمثلان قيدًا على العدالة، بل يشكلان الضمانة الأساسية لصحتها ومشروعيتها وثقة المواطنين فيها.
الضحايا في قلب العدالة الجنائية
وقال عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان: "ونحن نحتفل في شهر العدالة الجنائية يجب أن نضع الضحايا في قلب منظومة العدالة، من خلال ضمان حقهم في الوصول إلى القضاء، والحصول على المعلومات، والحماية من أي تهديد أو انتقام، والمشاركة الفعالة في الإجراءات، وتوفير آليات مناسبة للتعويض وجبر الضرر، خاصة بالنسبة إلى ضحايا العنف والاتجار بالبشر والتعذيب والجرائم المنظمة والإرهاب والجرائم التي تستهدف النساء والأطفال والفئات الأولى بالرعاية".
وأشار إلى أن عالمنا يشهد اليوم تصاعدًا غير مسبوق في الجرائم المنظمة والعابرة للحدود، والاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، والجرائم الإلكترونية، وجرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب الانتهاكات الجسيمة التي ترتكب أثناء النزاعات المسلحة، وهو ما يفرض تعزيز التعاون الدولي والقضائي، وتبادل المعلومات والخبرات، وتطوير التشريعات الوطنية، مع الالتزام الكامل بضمانات المحاكمة العادلة وعدم توظيف العدالة بصورة انتقائية أو إخضاعها للاعتبارات السياسية.
رفض ازدواجية المعايير في العدالة الدولية
وشدد ممدوح على أن أخطر ما يهدد منظومة العدالة الدولية هو ازدواجية المعايير، مؤكدًا أن العدالة التي تتعامل مع الجرائم وفقًا لهوية مرتكبها أو قوة الدولة التي ينتمي إليها لا يمكن أن تحقق السلام أو تحظى بثقة الشعوب، وأن دماء الضحايا وكرامتهم لا يجوز أن تخضع لأي حسابات سياسية أو مصالح دولية.
وقال إن المجتمع الدولي مطالب بإثبات أن قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني تنطبق على الجميع دون استثناء، وأن حماية المدنيين ووقف استهداف النساء والأطفال والمنشآت الطبية والإغاثية ليست مواقف سياسية، وإنما التزامات قانونية وأخلاقية لا يجوز التراجع عنها، مؤكدًا أن الإفلات من العقاب لا يؤدي إلا إلى تشجيع المزيد من الجرائم، وإضعاف النظام الدولي، وتعميق مشاعر الغضب وفقدان الثقة لدى الشعوب.
وأكد أن ما يشهده الشعب الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة، يضع منظومة العدالة الجنائية الدولية أمام اختبار حقيقي وغير مسبوق، في ظل سقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين، وتدمير المساكن والمنشآت الصحية، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، مشددًا على أن حماية المدنيين ومساءلة المسؤولين عن أي جرائم أو انتهاكات جسيمة يجب ألا تكون محل انتقائية أو مساومة.
وفيما يتعلق بمنظومة العدالة داخل مصر، أوضح ممدوح أن الدولة المصرية قطعت خطوات مهمة في تحديث البنية التشريعية والقضائية، وتطوير المحاكم، والتوسع في استخدام التكنولوجيا والتحول الرقمي، وتعزيز قدرات مؤسسات إنفاذ القانون، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذه الخطوات من خلال رؤية وطنية شاملة لتطوير منظومة العدالة الجنائية، تعتمد على التقييم المستمر للأثر التشريعي، وسرعة الفصل في القضايا، وتسهيل وصول المواطنين إلى العدالة، وتقديم الدعم القانوني لغير القادرين.
وأضاف أن تطوير العدالة الجنائية يجب أن يشمل إعادة النظر بصورة مستمرة في بدائل الحبس الاحتياطي، والتوسع في العقوبات البديلة في الجرائم التي تسمح طبيعتها بذلك، وتعزيز برامج التأهيل والإصلاح داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، وتقديم الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم، بما يقلل من معدلات العودة إلى الجريمة ويساعدهم على الاندماج مرة أخرى في المجتمع.
وأشار إلى أن العقوبة في الدولة الحديثة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للانتقام، وإنما يجب أن تحقق الردع والإصلاح والحماية المجتمعية، وأن نجاح أي منظومة عدالة لا يقاس فقط بعدد الأحكام الصادرة، بل بقدرتها على الحد من الجريمة، وإنصاف الضحايا، وإصلاح الجناة، ومنع تكرار الانتهاكات.
كما أكد أهمية التوسع في تدريب وتأهيل جميع المتعاملين مع منظومة العدالة الجنائية، وتعزيز إدماج مبادئ حقوق الإنسان في برامج بناء القدرات، والاستفادة من التطورات التكنولوجية مع وضع ضمانات واضحة تمنع المساس بالخصوصية أو استخدام التكنولوجيا والخوارزميات بصورة قد تؤثر في حياد القرارات أو عدالة الإجراءات.
ولفت ممدوح إلى أن للمجتمع المدني دورًا مهمًا في دعم منظومة العدالة، من خلال نشر الثقافة القانونية، وتوعية المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، وتقديم المساعدة القانونية، ورصد التحديات المجتمعية، وإعداد الدراسات والتوصيات، ودعم برامج التأهيل وإعادة الدمج، في إطار من التعاون واحترام اختصاصات مؤسسات الدولة واستقلال السلطة القضائية.
وأضاف أن تحقيق العدالة يتطلب كذلك الاهتمام بالأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي قد تؤدي إلى الجريمة، مثل الفقر والتهميش والبطالة والتسرب من التعليم والإدمان والتفكك الأسري، مؤكدًا أن السياسات الجنائية الأكثر كفاءة هي التي تجمع بين قوة إنفاذ القانون، والوقاية الاجتماعية، وحماية الفئات الأكثر عرضة للاستغلال والانحراف.
واختتم الدكتور محمد ممدوح تصريحه مؤكدًا أن اليوم العالمي للعدالة الجنائية يجب ألا يكون مجرد مناسبة للاحتفال، وإنما فرصة لتجديد الالتزام بأن لا أحد فوق القانون، ولا ضحية دون إنصاف، ولا متهم دون ضمانات، ولا جريمة جسيمة دون مساءلة.
وأكد أن مصر التي نسعى إليها هي دولة قوية بالقانون، عادلة بمؤسساتها، آمنة لمواطنيها، وقادرة على حماية المجتمع دون انتقاص من الحقوق والحريات، لأن العدالة وحقوق الإنسان والأمن ليست مسارات متعارضة، وإنما ركائز متكاملة لبناء دولة حديثة تحترم الإنسان وتصون كرامته.