"اللهم أمتني على الإخوان".. دعوة أثارت جدلًا واسعًا، رددها عدد من قيادات ودعاة جماعة الإخوان على مدار السنوات الماضية، ولم تتوقف عند الدعاء بالموت على نهج الجماعة، بل امتدت إلى الدعاء بأن يُحشر أصحابها يوم القيامة مع الإخوان.
وهو ما يراه منتقدو التنظيم دلالة على أن قياداته وأعضاءه ينظرون إلى الانتماء للجماعة باعتباره الطريق إلى "الإسلام الصحيح"، وأن السمع والطاعة لقيادات التنظيم يمثلان ركيزة أساسية في هذا التصور، فضلًا عن نظرة تستبطن تمييزًا بين المنتمين للجماعة وغيرهم من المسلمين.
إخواني: اللهم احشرني في زمرة النبيين والصحابة والإخوان المسلمين
ومن أبرز هذه التصريحات ما صدر عن الإخواني سلامة عبد القوي، الذي نشر عبر صفحته الرسمية على موقع "فيس بوك" دعاء قال فيه: "اللهم إني أسألك أن تحشرني في زمرة النبيين والصحابة والصالحين والإخوان المسلمين"، وهو ما أثار انتقادات واسعة باعتباره يضع جماعة الإخوان في منزلة خاصة ضمن الدعاء.
صبحي صالح: اللهم توفني على دين الإخوان
وأعادت تصريحات سلامة عبد القوي إلى الأذهان تصريحات سابقة لعدد من قيادات الجماعة، من أبرزهم القيادي الإخواني صبحي صالح، الذي تداولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو له عام 2013 يدعو فيه الله أن يتوفاه على "دين الإخوان"، وهي العبارة التي أثارت آنذاك موجة واسعة من الجدل والانتقادات.
دعوات متكررة من قيادات الجماعة
كما سبق أن ردد كل من محمد عبد المقصود، المحسوب على جماعة الإخوان، والإخواني وجدي غنيم، أدعية تضمنت التمسك بنصرة الجماعة والدعاء بالوفاة على نهجها، في تصريحات اعتبرها منتقدو التنظيم امتدادًا لفكرة ربط الانتماء إلى الجماعة بالنجاة الدينية، ومنحها مكانة تتجاوز كونها تنظيمًا سياسيًا أو دعويًا.
باحث في شؤون الحركات المتطرفة: الجماعة قدمت نفسها باعتبارها الإسلام
ويقول أحمد حميده، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، إن حسن البنا أسس تنظيمه عقب سقوط الخلافة العثمانية، كنقطة انطلاق نحو استعادة الكيان السياسي للأمة الإسلامية، والذي زرع في قلوب أتباعه، منذ تلك اللحظة، أنهم الجماعة التي وقع عليها اختيار القدر لإنقاذ العالمين، وأنهم صحابة رسول الله، وحملة راية الإسلام من بعده، بل وذهب إلى أبعد من ذلك، حيث قال صراحة: "نحن الإسلام، أيها الناس".
وأشار إلى أن "البنا" اعتبر أن منهج الجماعة هو الضامن الأوحد لعودة الإسلام ونهضة المسلمين، وأن طريقها هو الطريق القويم، ووصم كل من لم يؤمن بهذا المنهاج بأنه: "لا حظ له في الإسلام".
ولفت إلى أنه من هنا تضخمت ذات الجماعة في عيون أعضائها، حتى صارت هي الإسلام، ومن يقترب منها بالنقد أو التحليل أو المناقشة الموضوعية، هو بالضرورة ينتقد الإسلام، ويصبح إيمانه مثار شك، وإسلامه محل اختلاف.
وأوضح الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، أن الجماعة الإرهابية لا تطرح فهمها للدين على أنه مجرد قراءة ضمن قراءات عديدة، بل تطرحه على أنه مراد الله، والفهم الصحيح الشامل، والذي من يتجاوزه صار متهما بأنه: "يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض".
وتابع قائلا "فلا غرو إذن أن يردد صبحي صالح والبلتاجي دعواتهما بأن يتوفاهما الله على إخوانيتهما، فهذه الدعوات تعبر بصدق عن عقيدة إخوانية راسخة، بأن ثمة توحدا بين التنظيم والدين، لا ينفك أحدهما عن الآخر، فبقاء الدين في صورته النقية الصحيحة الشاملة مرهون ببقاء التنظيم".
إبراهيم ربيع: قيادات الإخوان رسخت فكرة أن الولاء للتنظيم جزء من الدين
وبدوره أكد إبراهيم ربيع، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة والقيادي المنشق عن جماعة الإخوان، إن تلك الدعوات تعكس أحد المرتكزات الفكرية التي قامت عليها الجماعة منذ تأسيسها، والقائمة على دمج التنظيم بالدين، حتى يصبح الانتماء إلى الجماعة جزءًا من العقيدة لدى أعضائها.
وأضاف أن قيادات الإخوان عملت على ترسيخ فكرة أن الولاء للتنظيم وقياداته هو الطريق إلى نصرة الدين، معتبرًا أن هذا النهج أدى إلى تكوين حالة من التعالي التنظيمي، ينظر من خلالها بعض الأعضاء إلى الجماعة باعتبارها الفرقة التي تحتكر الفهم الصحيح للدين.
وأشار إلى أن الأدعية التي رددها بعض قيادات الجماعة بالموت على الإخوانية أو التمني بأن يكونوا مع رموز التنظيم في الآخرة، تكشف عن مدى تغلغل هذا المفهوم داخل البناء الفكري للإخوان، موضحًا أن التنظيم سعى على مدار عقود إلى صناعة ولاء يتجاوز حدود الانتماء التنظيمي، ليصبح ارتباطًا عقديًا وفكريًا بقياداته ورموزه.
وأكد ربيع أن هذا التصور كان أحد الأسباب الرئيسية في صعوبة مراجعات كثير من عناصر الجماعة، لأنهم تربوا على أن مفارقة التنظيم ليست خروجًا على جماعة سياسية فحسب، وإنما خروج عن الطريق الذي صُور لهم باعتباره الممثل الحقيقي للإسلام.