كشف تقرير صادر عن وزارة التنمية المحلية والبيئة عن التفاصيل الكاملة لقصة غرق صندل نهرى فى ميناء السد العالى، لم تكن الأنباء الواردة من أقصى جنوب مصر، وتحديداً من ميناء السد العالي شرق بمحافظة أسوان، مجرد خبر تقليدي عن حادث بحري عابر؛ بل فتحت الباب على مصراعيه لواحد من أكثر الملفات حساسية وأهمية في منظومة الأمن المائي والبيئي المصري. إن غرق صندل نهري في حوض بحيرة ناصر، الذى يعد الخزان الاستراتيجي العذب الأكبر لمصر ، الواقعة تمثل اشتباكاً مباشراً مع خطوط الدفاع البيئية للدولة.
خلال هذا التقرير وبناءا على البيان الصادر عن الوزارة نتتبع القصة الكاملة للصندل الغارق، والتفاصيل التقنية، وآليات الاستجابة وكيفية تعامل وزارة التنمية المحلية والبيئة لإدارة هذه الأزمة الحيوية.
التفاصيل الحية لليلة غرق الصندل على عمق 15 متراً
تبدأ خيوط القصة الإستراتيجية عند تلقي غرف السيطرة المركزية بلاغاً عاجلاً يفيد بوقوع حادث غرق كامل لأحد الصنادل النهرية المخصصة للشحن والتفريغ داخل مياه ميناء السد العالي شرق بمحافظة أسوان. حيث تكمن خطورة الحادث الأولى في طبيعة الموقع، حيث استقر الصندل بالكامل في قاع البحيرة على عمق يقارب الـ 15 متراً تحت سطح الماء.
ويؤكد التقرير الصادر عن وزارة التنمية المحلية والبيئة، إن هذا العمق لم يكن التحدي الهندسي الوحيد، بل إن الحجم الهائل للصندل وحمولته ووجود خزانات وقود ومحركات ممتلئة بالسولار والزيوت البترولية والميكانيكية، مما وضع السلطات الفنية والبيئية أمام سيناريو معقد يتعلق باحتمالية حدوث تسرب كيميائي واسع النطاق يهدد التنوع البيولوجي المائي والثروة السمكية في هذه المنطقة الحيوية.
تقارير وزارة البيئة: منطقة الغرف راكدة ومعزولة
وفقاً للتقارير الهندسية والبيئية التفصيلية المرصودة من قبل الوزارة ، إن موقع غرق الصندل استقر داخل منطقة ركود جانبية مخصصة للشحن داخل حرم ميناء السد العالي، وهذه المنطقة بطبيعتها الجغرافية والإنشائية معزولة نسبياً وبعيدة عن مجرى المياه الجاري والحيوي لبحيرة ناصر، مما وفر حماية طبيعية أولية حالت دون جرف التيار المائي للملوثات البترولية إلى مناطق أعمق داخل البحيرة أو دفعها باتجاه بوابات السد العالي ومحطات الشرب، وهو ما منح فرق الإنقاذ والتدخل البيئي نافذة زمنية حرجة ومحددة للتعامل والسيطرة قبل تفاقم الوضع وتحوله إلى كارثة مائية مفتوحة صعب الاحتواء.
رصد بقعة التلوث وتتبع الـ 20 ألف متر مربع من السولار والزيوت
لم يتأخر التسرب البترولي المحذور طويلًا، فمع استقرار الصندل في القاع وضغط المياه المتزايد على المحركات وخزانات الوقود، بدأت المواد البترولية الخفيفة والثقيلة بالصعود الميكانيكي إلى السطح بفعل فارق الكثافة الفيزيائية بين الماء والزيت.
فيما رصدت أعين باحثي جهاز شئون البيئة بالتنسيق مع شرطة المسطحات المائية بقعة زيتية ضخمة تمددت بشكل متسارع على سطح مياه الميناء لتصل مساحتها الإجمالية التقديرية إلى نحو 200 متر طولاً و100 متر عرضاً، أي ما يوازي 20 ألف متر مربع من التلوث الزيتي العائم، مشكلة طبقة سميكة عازلة تحجب الأكسجين وتدمر النظم البيئية الميكروسكوبية في حوض الغرق.
دور مركز سيطرة الشبكة الوطنية
إن مركز سيطرة الشبكة الوطنية للطوارئ والسلامة العامة أثبت جدارة بالغة في الربط اللحظي بين العاصمة وموقع الحادث بأسوان، مما سمح باتخاذ قرارات بيئية مصيرية في غضون دقائق من غرق الصندل، حيث أثارت هذه البقعة مخاوف شديدة لدى خبراء البيئة المائية، إذ أن السولار والزيوت لا يقتصر أثرها على تشويه المظهر الحضاري للميناء الشرقي، بل تمتد خطورتها لتشمل تكوين مركبات هيدروكربونية سامة تذوب جزئياً في الماء وتؤثر على الأحياء المائية، فضلًا عن خطر التصاقها بالمنشآت البحرية وجدران الميناء وتأثيرها المباشر على جودة المياه السطحية.
هذا التمدد تطلب رصداً ميدانياً دقيقاً على مدار الساعة واستخدام تقنيات الاستشعار البصري لتحديد اتجاهات حركة البقعة ومعدلات انتشارها السطحي لضمان محاصرتها بكفاءة وثبات تام دون السماح بعبورها خارج حوض الركود.
التحاليل المعملية تدق ناقوس الخطر
تنفيذاً للتوجيهات الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والبيئة، الصارمة والمباشرة تحركت المعامل المتنقلة والثابتة لفرع جهاز شئون البيئة بمحافظة أسوان نحو موقع الحادث على الفور لسحب عينات مائية متعددة المستويات والأعماق سطحية وعميقة ومتوسطة من منطقة الغرق والمناطق المحيطة بها كإجراء وقائي.
وجاءت نتائج التحاليل المعملية والميكروبيولوجية الأولية لتدق ناقوس الخطر الفني، حيث أظهرت المؤشرات تجاوزاً واضحاً لبعض معايير جودة المياه للحدود القانونية المسموح بها بيئياً في القرار 48، وذلك بسبب الكثافة العالية لطبقة الزيوت والسولار الطافية التي غيرت من الخصائص الفيزيائية والكيميائية للمياه في تلك النقطة المحصورة.
هذا التجاوز في المؤشرات كشف عن الارتفاع الحاد في الطلب الكيميائي على الأكسجين وتغير نسب العكارة والمواد العالقة البترولية، وهو ما تطلب تدخلاً علاجياً كيميائياً وفورياً وعدم الانتظار لانتشال الصندل نفسه الذي يتطلب معدات رفع ثقيلة وعمليات هندسية معقدة. إن دقة التحاليل المعملية وسرعة صدور نتائجها شكلت القاعدة العلمية التي بنى عليها متخذو القرار خطواتهم اللاحقة، حيث تم توجيه فرق المكافحة الكيميائية والميكانيكية للتعامل مع الملوثات بناءً على طبيعة المواد المرصودة في التحاليل لضمان أعلى كفاءة في التشتيت والاحتواء بأقل ضرر ممكن للنظام المائي المجاوز.
خطة المواجهة الميدانية وتشتيت البقعة البترولية وتطويق الأزمة
أمام نتائج التحاليل ووضوح حجم البقعة الزيتية، انطلقت خطة المواجهة الميدانية المشتركة بين فرع جهاز شئون البيئة وإدارة شرطة البيئة والمسطحات المائية بأسوان بالتنسيق مع الهيئة العامة للنقل النهري. تم الدفع بوحدات ومراكب مكافحة التلوث البحرية المتخصصة إلى منطقة الركود الجانبية بالميناء، وبدأت الأطقم الفنية في تنفيذ أعمال تشتيت ميكانيكي وكيميائي مقنن للبقعة الزيتية باستخدام مواد مشتتة صديقة للبيئة مصرح بها دولياً ومحلياً، تعمل على تكسير جزيئات الزيت الكبيرة وتحويلها إلى حبيبات دقيقة للغاية يسهل التعامل معها بيولوجياً ودون أن تسبب ضرراً للأحياء المائية أو تترسب في القاع بشكل دائم.
توازت عمليات التشتيت مع وضع حواجز مطاطية وعائمة محيطة بموقع الصندل لمنع أي تدفقات أو تسريبات إضافية قد تحدث من الخزانات أثناء محاولات الرفع والانتشال المستقبلية.
هذه الملحمة الميدانية استمرت لساعات متواصلة في ظل ظروف بيئية وجغرافية دقيقة، نجحت خلالها فرق العمل في تقليص مساحة البقعة بنسبة كبيرة جداً ومنع اختراقها لحرم الميناء الخارجي المتصل بالبحيرة المفتوحة، مع استمرار أعمال الرصد البيئي اللحظي وقياس المؤشرات بصفة دورية كل بضع ساعات للتأكد من عودة جودة المياه تدريجياً إلى طبيعتها الآمنة والمستقرة والوصول إلى الحدود القياسية المسموح بها قانوناً.
الشبكة الوطنية للطوارئ أدارت الأزمة من العاصمة
القصة الكاملة للصندل لا تكتمل دون النظر إلى العقل التكنولوجي والمدبر لعمليات الإنقاذ والمواجهة في العاصمة الإدارية الجديدة؛ حيث لعب مركز سيطرة الشبكة الوطنية للطوارئ والسلامة العامة بوزارة التنمية المحلية والبيئة دور المايسترو التنفيذي في هذه الأزمة البيئية الطارئة. فمنذ اللحظات الأولى لتلقي التقرير الفني المفصل من قطاع التخطيط والتنمية المحلية المتكاملة، تحول المركز إلى غرفة عمليات مفتوحة تعمل على مدار الساعة للربط اللحظي والمباشر والمصور بين متخذي القرار في الوزارة والمحافظة والأجهزة التنفيذية على الأرض في أسوان، مما ألغى تماماً زمن البيروقراطية والمراسلات المعتاد في مثل هذه الحوادث الكبرى.