"قاد حليم شعبا بصوته وكان المدفعية الثقيلة التي جمع بها الوطن العربي سيايا وعاطفيا..كان عبد الحليم حافظ رمزا قوميا بما أنشده من أغان وطنية حفرت في ذاكرة وجدان كل العرب"..هكذا وصف الشاعر العربي الكبير نزار قباني صوت وأغنيات وفن العندليب الأسمر، وهو الذي اعتبره الأديب الكبير يوسف ادريس الصوت "الذي حكم القاهرة والعواصم العربية لاجيش" ووصفته صحيفة الصنداي تايمز البريطتنية بأنه " أحد أهم كوادر ثورة يوليو وأكثرها تأثيرا في الجماهير العربية وهو أحد الأسلحة السرية التي يستخدمها جمال عبد الناصر لنشر رسالة الثورة"
.jpg)
عبر حليم – الذي نحتفل بمرور 97 عاما على ميلاده اليوم حيث ولد في 21 يونيو 1929- بصوته وفنه عن أحلام مصر عقب ثورة يوليو 52 وعن نهضتها وصعودها وأفراحها وانتصاراتها، وبصوته وفنه أيضا كان الى جانب الوطن في لحظات انكساره وفي أقصى أوقاته العصيبة والحزينة عقب هزيمة يونيو 67 وإعلان زعيمها التنحي عن الحكم
في سنوات المجهود الحربي، ومنذ الأيام الأولى للهزيمة أصيب عبدالحليم، مثل الغالبية الساحقة من المصريين بصدمة كبيرة عندما علم نتيجة الحرب التي انتهت بهزيمة كبيرة للجيوش العربية، لكنه لم يستسلم كغيره لمشاعر الاحباط ولم يسقط في بئر اليأس والهزيمة، وآمن بأن هذا الوطن لابد أن ينتفض ويعود للقتال ويركض خلف شارات الأمل في النصر.
إحدى عشرة أغنية قدمها حليم خلال المعركة كلها تقريبا من شعر عبد الرحمن الأبنودي باستثناء أغنية أو أغنيتين كتبهما صلاح جاهين، وكلها تقريبا من ألحان كمال الطويل باستثناء ثلاث، واحدة لحنها بليغ حمدي وأخرى لحنها محمد الموجي وثالثة لحنها علي إسماعيل ، ويضاف إليها أغنية "المسيح" للأبنودي وبليغ، قدمت في مسرح "ألبرت هول" في لندن، ليصبح مجموع ما قدمه حليم من أغنيات خلال ذلك العام اثنتى عشرة أغنية وطنية وهو رقم قياسي في مسيرة عبد الحليم الغنائية، وزعها جميعا الفنان علي اسماعيل ماعدا "موال النهار" أو " عدى النهار" الذي قام بتوزيعه عبد الحليم نويرة.
عدى النهار
بعد أيام قليلة من الهزيمة يزوره عبد الرحمن الأبنودي وقد كسا الحزن كل شىء فيه، ينتفض حليم رافضا هذا اليأس والحزن والاستسلام للإحباط والاكتفاء بلطم الخدود وشق الجيوب.
يصرخ فيه حليم الذي قرر أن يجعل صوته مدفعية للمقاومة وشحذ الهمم ورفع المعنويات للشعب وللجنود وزرع الأمل والثقة من جديد في النفوس: "إيه يا عبد الرحمن يعني مش هانغني تاني " يرد الأبنودي :" ومين له نفس يكتب ولا يغني يا حليم الناس خلاص ماعدتش تصدق أي حاجة بعد اللي حصل.
بوطنية مفرطة يعلو حليم بصوته: "يعني إيه يا عبدالرحمن هنسكت ونسلم لازم نقاوم و نجمع شمل الناس تاني ونزرع فيهم الأمل من جديد".
يدس الخال عبد الرحمن الأبنودي- كما يذكر الصديق الكاتب الصحفي محمد توفيق- يده في جيبه ويخرج ورقة مكتوب عليها كلمات منبها حليم بأنها قد تكون كلمات صادمة وترفضها الرقابة. طمأنه حليم . وبدأ الأبنودي يقرأ: "عدّى النهار والمغربية جاية
تتخفى ورا ظهر الشجر
وعشان نتوه فى السكة شالت من ليالينا القمر
وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها
جانا نهار مقدرش يدفع مهرها
ياهل ترى الليل الحزين أبو النجوم الدبلانين
يقدر ينسيها الصباح ابو شمس بترش الحنين
ابدا... بلدنا للنهار... بتحب موال النهار
لما يعدي فى الدروب
ويغني قدّام كل دار".. الى آخر الأغنية
.jpg)
تنتاب حليم لحظة فرح:"الله يا عبدالرحمن " ويمسك بسماعة التليفون ويتصل ببليغ:" تعالى لي حالا يا حبيبي أنا وعبدالرحمن الأبنودي مستنينك عندي في البيت. ويأتي بليغ و يقرأ و يبتدي يلحن و كان سريع البديهة فذا عبقريا و عنده حس شعري غير عادي.
ويتوقف عند " أبو النجوم الدبلانين " ويطلب من الأبنودي جملة مشابهة.. حاول الأبنودي ولكن لم تأت معه الجملة قائلا:" أن كتبتها كده مش قادر أضيف ولا أغير فيها حاجة" .. وهنا يفاجأ حليم الصديقين " يا أخي أبو الغناوي المجروحين ..مش ده كلامك يا عبد الرحمن برضه".
وكانت " عدى النهار" أول أغنيات بعد هزيمة يونيو تتنبأ بالنصر مع الاعتراف بماحدث وبضرورة المصارحة والاعتراف والمكاشفة. غيرت تلك الأغنية توجه الأغاني الوطنية وأجبرتها على تكون أغنية محفزة ودافعة للمقاومة والنصر وعدم الاستسلام للهزيمة.
تحولت أغنية "عدّى النهار" الى واحدة من أهم وأشهر الأغاني التي ارتبطت بمرحلة ما بعد نكسة 1967، حيث شكلت حالة فنية وإنسانية استثنائية عبرت عن ألم اللحظة ومحاولة تجاوزها، وشاركت في شحن الروح المعنوية للمصريين في واحدة من أصعب الفترات التاريخية.
ويكشف الزميل محمد العسيري، أن أغنية "عدّى النهار" لم تكتب بعد نكسة 1967 كما يعتقد الكثيرون، بل كانت مكتوبة بالفعل داخل ديوان الشاعر عبد الرحمن الأبنودي عام 1962، أي قبل وقوع النكسة بخمس سنوات كاملة. وهذا يعني أن النص كان موجودًا قبل الحدث التاريخي، لكنه اكتسب معناه الحقيقي وقيمته الفنية والإنسانية بعد وقوع الهزيمة، حين أصبح صوتًا يعبر عن حالة عامة من الانكسار ومحاولة الفهم والتجاوز. وكانت أول أغنية وطنية يلحنها بليغ للعندليب الذي بدا يفكر في ضرورة تقديم عمل جديد يدعو للاستعداد ونسيان الماضي، والعمل من أجل الاستعداد والأخذ بالثأر بعد تقديمه لأغاني تحث على النصر أثناء 67 مثل ابنك يقولك يا بطل واضرب وراية العرب، وكلها أغاني حماسية لشحذ الهمم.
وفي تصريحات لنهال كمال زوجة الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودي، قالت إن عبدالحليم حافظ أخبر الأبنودي بأنه يريد تقديم أغنية تعترف بالهزيمة والاستعداد للقادم، فقدم الأبنودي له مطلع الأغنية، والتي كانت جاهزة وبدأ تطوير الأغنية لتطلعها للنصر المرتقب.
ناصر يا حرية
لم تمر أيام قليلة على الهزيمة حتى يعلن عبد الناصر التنحي في خطابه الشهير يوم 9 يونيو ورغم حالة الاحباط واليأس التي سيطرت على الشاعر الكبير ورسام الكاريكاتير صلاح جاهين، إلا أنه فاجأ القراء يوم 12 يونيو عبر صفحات مجلة روز اليوسف وينشر قصيدته الشهيرة “ناصر، ناصر، يا حرية، يا وطنية، يا روح الأمة العربية.”
كانت الجماهير قد خرجت بمئات الآلاف للشوارع والميادين في مظاهرات مازالت تحير الكثيرين في تفسيرها: هل كانت عفوية أم مدبرة. إذ كانت الجماهير تطالب ليس برأس عبد الناصر بل تستغيث به وتستجديه للعودة عن قرار التنحي الذي أعلنه من ساعات قليلة على التليفزيون وترفضه التنحي وتطالبه بالاستمرار وبالقتال.
يضمّ عبد الحليم صوته لصوت الحشود التي خرجت تطالب ناصر بالرجوع عن قراره، ويطلب الأغنية من صلاح جاهين ويلحن كمال الطويل ويجأر حليم مع الكورال، وكأنه في مظاهرة جماهيرية “ناصر يا حريّة يا وطنية يا روح الأمة العربية"..وربما هي الأغنية الوطنية الوحيدة التي كتبها جاهين عقب الهزيمة.. فقد كانت مرحلة الابنودي وعبد الرحيم منصور ومحسن الخياط ومحمد حمزة ومجدي نجيب وسيد حجاب.
سكت الكلام والبندقية اتكلمت
ويقاوم حليم بصوته ويدفع الناس إلى الإمساك بالحلم والأمل وعدم اليأس ويغني من ألحان بليغ حمدي وكلمات محسن الخياط "البندقية اتكلمت" التي تؤكد على الاستعداد لخوض معركة جديدة
" بلدى بلدى يا بلدى
بكل حبى للحياة وبلدى
و بكل بسمه فوق شفايف ولدى
و بكل شوقى للفجر وشروقى
و بكل نبض الثورة فى عروقى
جيت لك و انا ضامم جراح الأمس
حالف لارجع لك عيون الشمس
يا يا يا بلدى
جيش الظلام فى يوم ما هاجم فجرنا
جرح السلام زرع الآلام فى ارضنا
و قلوبنا داست ع الجراح و حلفنا ما نسيب السلاح
الا ان رجعنا بشمسنا و ضحك لينا تانى الصباح
جيت لك و انا ضامم جراح الأمس
حالف لارجع لك عيون الشمس
يا يا يا بلدى
سكت الكلام و البندقيه اتكلمت
و النار وطلقات البارود
شدت علا ايدين الجنود و اتبسمت
احنا جنودك يا بلدنا وحبنا
ماشين علا طول الطريق اللى رسمناه كلنا"
ويكتب حليم رسالة مؤثرة بثت للجنود على الجبهة قال فيها: "لقد سكت الكلام، والبندقية اتكلمت، والأمة العربية كلها من خلفكم تعاضدكم وتشد من أزركم".
وتتوالى أغنيات شحذ الهمم والعزيمة ورفع المعنويات ويغني حليم "خلي السلاح صاحي" من كلمات أحمد شفيق كامل وألحان كمال الطويل وهي الأغنية التي ردّدتها وراءه والشعوب العربية عام 1968.
.jpg)
فدائي
كان عبد الحليم حافظ وبليغ حمدي ومحمد حمزة في بيروت. إذ كان عبد الحليم متعاقدا لحفلات له في لبنان. لكن الأمر الذي أقلقه ماذا يغني لجمهوره في هذه الظروف. واستقر رأيه أن يطلب من عبد الرحمن الأبنودي ومحمد حمزة كتابة الأغاني الوطنية استنهاضا لهمة الشعوب العربية بعد النكسة.
بادر محمد حمزة بتقديم أغنية ” فدائي فدائي” ولحنها بليغ حمدي خلال ساعات في بيروت على ما يروي الفنان غسان مطر.
عاد الثلاثي حليم وبليغ وحمزة في اليوم التالي إلى القاهرة لتسجيل الأغنية ثم طاروا مجددا إلى بيروت.
حمل إلى بيروت نسخة من التسجيل بعد المونتاج أحد أصدقاء عبد الحليم.
سمع تسجيل الأغنية ثلاثة أشهر من متعهدي حفلات عبد الحليم في لبنان يوسف الحاج وأنور الشيخ ياسين واحمد الحاروفي وتسابقوا على إقناع عبد الحليم بأن يكون كل منهم صاحب فضل في أن يغني حليم هذه الأغنية في حفل يكون من تعهده.
استطاع الحاروفي التعاقد مع حليم واتفق معه على أن يكون الحفل في المدرج في بحمدون.
حضرت الفرقة الماسية وغنى حليم أغنية “فدائي” بكل حماسة وإنسجام. ولما وصل إلى المقطع الذي يقول ” أموت أعيش ما يهمنيش / وكفاية شوف علم العروبة باقي”، حتى بدأ بعض المتحمسين من الجمهور بإطلاق الرصاص من مسدساتهم في الهواء حماسة وابتهاجا. ولكن ما حدث هو أن أعضاء الفرقة تركوا آلاتهم وركضوا إلى الكواليس للاحتماء من الرصاص. وتوقف عبد الحليم عن الغناء. وبعد لحظات اقترب من المكروفون وقال للجمهور “عاوزنّي أغني بدون فرقة ولا إيه”. وأضاف ضاحكا :” ما فيش داعي للحاجات دي وأشار للمسدسات في أيديهم”.
هدأ الجمهور وعادت الفرقة إلى مكانها وغنى عبد الحليم ” فدائي فدائي” عدة مرات وأعاد وأجاد ونال الإعجاب والتصفيق.
يروي الشاعر محمد حمزة، أن عبد الحليم عندما قرأ كلمات الأغنية لأول مرة طلب تغيير كلمتين فقط ” إفرحي حتى وزفيني” وأرادها ” إفرحي يامه وزفيني” أما الكلمة الثانية ” خلي اخواتي الصغيرين يكونوا بعدي فدائيين” إلى “يكونوا زيي فدائيين”.
حققت هذه الأغنية نجاحا وتوقيتا مؤاتيا لانطلاق الأعمال الفدائية بعد هزيمة 1967. وأعجبت الأغنية الرئيس عبد الناصر واتصل به مهنئا.
شكلت هذه الأغنية تحديا راسخا لمحمد حمزة في مجال الأغاني الوطنية التي كان يكتبها لحليم صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي وأحمد شفيق كامل. اذ حقق هذا النجاح المدوي لمحمد حمزة مكانا له بين شعراء الأغنية الوطنية في مصر.
900 ألف جنيه إيرادات " أبي فوق الشجرة"
حليم لم يكتف فقط بصوته الذي وهبه للوطن في أحلك ظروفه وايامه، ولم يكن أقل وطنية من «أم كلثوم» بل خصص هو أيضًا إيرادات حفلاته لتسخيرها إلى المجهود الحربى، وكذلك أفلامه، التى حول إيراداتها لنفس الأمر، وأشهرها فيلم «أبى فوق الشجرة»، انتاج عام 69 والذى لاقى نجاحا كبيرا،و يعتبر من أشهر 100 فيلم فى تاريخ السينما المصرية واستمر عرض الفيلم 58 أسبوعا متواصلا في دور السينما. وقدم كل إيرادات العمل إلى الجيش المصري لإعادة تسليحه مرة أخرى. ووفقا لما نشر وقتها فقد حقق الفيلم إيرادات قياسية تجاوزت 900 ألف جنيه في شباك التذاكر، وهو رقم فلكي وقتها مقارنة بسعر التذكرة الذي كان يقدر بـ 3 جنيهات فقط.
كان للعندليب الأسمر عبدالحليم حافظ مآثره في دعم وطنه ، فقد قام عقب النكسة بالتبرع بأجر جميع حفلاته للجيش المصري. وقدم دورا وطنيا عظيمًا دعمًا للجيش المصري، بعد الهزيمة في 1967، واستغل العندليب الشعبية الجارفة له في كل البلدان العربية، ونجاحات حفلاته وتحقيقها لإيرادات ضخمة ليتبرع بها للجيش المصري والمجهود الحربي.مثل رحلات الكويت والأردن ولبنان وتونس والمغرب.
حفلة لندن في " ألبرت هول"
يعد العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ هو أول مطرب عربي يقف على مسرح قاعة " رويال ألبرت هول» الشهيرة فى لندن يوم 17 نوفمبر 1967،" عقب يومين فقط من حفلة السيدة أم كلثوم على مسرح الأوليمبيا بباريس ، غنى حليم في حفلته التاريخية أمام 8 آلاف شخص لصالح المجهود الحربى لإزالة آثار العدوان، وقدم عبدالحليم في هذا الحفل مجموعة من الاغانى هى " عدى النهار" ،"على حسب وداد قلبى يا بوى "،" أنا كل ما أقول التوبهة"،" سواح ولأول مرة أغنية "المسيح" ألحان بليغ حمدي كلمات عبدالرحمن الأبنودي.
وفي حوار له لمجلة الكواكب يوم 14 نوفمبر 67 قال عبد الحليم: «على أثر النكسة أحسست أننا فى حاجة ملحة إلى كثير من العملة الصعبة لنواجه موقف الصمود حتى يخرج المعتدون من أراضينا، كنت أستطيع أن أشترك فى إقامة حفلات داخل مصر، ولكنى وجدت أن هذا لا يكفى ولا بد من العمل فى الخارج، وبالفعل بالتعاون مع المسؤولين فى الكويت والأردن قمت بعدة حفلات على نفقتهم الخاصة من تذاكر السفر، ومصاريف الجيب، والإقامة، وذلك لزيادة المعونات والمساعدات، أما بالنسبة لحفلة لندن، فالهدف منها هو أن يعرف الشعب الإنجليزى أننا شعب متحضر له فنونه الأصيلة، ولسنا شعبًا متخلفًا أو همجيًا كما تحاول الصهيونية العالمية أن تصورنا».
ويذكر الباحث «عمرو فتحى» فى كتابه الوثائقى «موسوعة أغانى عبدالحليم حافظ» ظروف إقامة هذا الحفل، قائلا: «بعد هزيمة يونيو 1967، ونتيجة لاهتمام الأميرة الأردنية دينا عبدالحميد الزوجة الأولى السابقة لملك الأردن الحسين بن طلال بالقضية الفلسطينية، فقد سعت بصفتها رئيس جمعية الصداقة العربية الإنجليزية لتنظيم حفل يخصص إيراده لصالح مشروعات رعاية اللاجئين الفلسطينيين».. يضيف: «كانت صلة الأميرة دينا بالمجتمع المصرى والأوساط الثقافية والاجتماعية قوية بحكم أنها ولدت فى مصر، وأقامت فيها بعد طلاقها، كما كانت قريبة من الوسط الفنى والثقافى فى بريطانيا بحكم دراستها بجامعة «كمبردج»، وترددها الدائم على بريطانيا، لذلك نظمت جمعية الصداقة العربية الإنجليزية حفلًا فى قاعة « ألبرت هول» فى لندن 17 نوفمبر 1967، وكان اختيارها أن يكون نجم الحفل هو عبدالحليم حافظ، وكان هذا أول غناء له خارج الوطن العربى وفى عاصمة أوروبية".
اشتهرت قاعة البرت هول فى عالم الموسيقى بأنها المركز الاكبر لتقديم الحفلات الموسيقية والفنون الفولكلورية من جميع أنحاء العالم وقد اعتلى خشبة مسرحها اساطين الموسيقى والغناء فى العالم منذ تأسيسها حتى اليوم. و قاعة ألبرت الملكية تقع في جنوب كنسنغتن في لندن. وبدأ بناء القاعة سنة 1867 م وتم انتهاء البناء سنة 1871 م، وهو مبنى مدرج من الدرجة الأولى. سمتها الملكة فكتوريا بقاعة ألبرت تخليدا لذكرى لزوجها الراحل الأمير ألبرت.
وفى إحدى ليالى نوفمبر تحول جو هذه القاعة إلى ليلة من ليالى ألف ليلة وليلة، إذ ظهر فيها المطرب العاطفى عبد الحليم حافظ فغنى وتجاوب معه الحاضرون من عرب وأجانب بنفس الحماسة والإحساس، واهتزت هذه القاعة التى تتسع لما يقرب من ثمانية آلاف شخص بالتصفيق والهتاف كما لم تهتز من قبل. وتجمهر عدد كبير من الناس خارج الالبرت هول رغبة فى الحصول على تذاكر الدخول مهما ارتفعت التكاليف ولكن دون جدوى لان التذاكر قد بيعت قبل اسبوعين من الموعد المحدد وهذا لا يحصل الا عند ظهور فنان ذو شهرة عالمية واسعة.
وفي مذكراته التي نشرت بمجلة صباح الخير عام 77 يتذكر حليم تفاصيل تلك الحفلة التاريخية في لندن:" فجأة ظهرت الشريفة دينا عبد الحميد.. امرأة غير عادية.. يحيط بها زيتون القدس بتراب نابلس ببرتقال حيفا بأشجار الكرز بالقدس.. امرأة قررت أن تجعل حياتها فلسطين، أحبها مقاتل من رفح هو المناضل " صلاح ".- صلاح التعمري احد القيادات الفلسطينية-
أنا غنيت لفلسطين كثيرا، لكن لم أغن لها عن قرب.. وفجأة التقيت بالمقاتل الفدائى صلاح فأحسست أننى إنسان وأننى أحب الحياة وأننى أحد الأقزام الذين كانوا عمالقة.. اتصلت بى الشريفة دينا من لندن ترجونى أن أغنى في لندن لصالح فلسطين... وكنت في الكويت.. وأبلغتها موافقتى.
وأعدت الشريفة للحفل كاملا واختارت قاعة "البرت هول " أكبر مسارح لندن، لكن اعترضت إدارة المسرح على إقامة حفل لمطرب عربى إلا إذا جاء عن طريق أحد المتعهدين الإنجليز (لأن المتعهدين لهم نقابة في لندن تدافع عن حقوقهم )، أخطرت الشريفة دينا زوج صديقتها الإنجليزى "مستر لينج " وحصلت على التصريح، وأبلغتنى وسافرت أنا والفرقة الماسية من الكويت إلى لندن وكنا 95 سخصا لكن بدون تأشيرة دخول.
حاول البوليس الإنجليزى منع الطائرة من الهبوط مطالبا بعودتها من حيث أتت، وفجأة دوى في المطار نشيد بلادى بلادى لك حبى وفؤادى في مظاهرة كاملة، وهاجت الدنيا وحضر الصحفيين، واتصلت " دينا " بوزير خارجية بريطانيا "جورج براون " وأمر بدخولنا لندن.. ودخلنا مدينة الضباب وأكلنا فول وطعمية في النادي المصرى هناك.
وبدأ الاستعداد للحفل، بيعت جميع التذاكر وجاء اليوم، وقدم الحفل جمال فارس المصرى المقيم بلندن بعد اعتذار عمر الشريف لوجوده في باريس.. ولم تحضر فاتن حمامة من باريس الى لندن لتقديمه.. وقدمت خمس أغنيات كان أخطرها أغنية عن المسيح كتب كلماتها الأبنودى.. وهاجت القاعة فالمسيح حب الجميع.
بين صفوف الحفل رأيت عيون الأميرة العربية تطاردنى.. التقت عيوننا، وبعد الغناء خرجت والتقيت بها في سيارتها... كنت متعبا من الحفل.. قالت لى هل يمنعك المرض من الحب ؟ قلت لها المرض لا يمنع إرادة الحب لكنه يحدد إمكانيات من يحب.
نقل التليفزيون البريطاني الحفل، وأذاعت فقراتها إذاعة لندن وتحدثت صحف لندن الصباحية عنها وعن عبد الحليم وفرقة رضا حتى الفرقة الموسيقية التى صاحبت عبد الحليم ورضا بقيادة على اسماعيل .نالت جانبا من الحديث..
ليالى الفن العربى فى عواصم الغرب ,لم تكد تنتهى فى باريس حتى بدات فى لندن ..ولم يكد هذا النجاح الاسطورى الرائع التى حققتة كوكب الشرق ام كلثوم على مسرح أولمبيا بباريس يمس حديث الناس فى العواصم العربية جميعا حتى فتحت لندن عينيها على لون جديد اخر من الفن العربى ..فى ليلة ساهرة حتى الصباح على مسرح"البرت هول"..ليلة غنى فيها عبد الحليم خمس اغنيات وقدمت فيها فرقة رضا اكثر من تابلوة راقص من فننا الشعبى ,وشاركتها فرقة اردنية للفنون الشعبية فى تقديم الرقصات .
وليلة لندن.. خاتمة لرحلة غنائية قام فيها عبد الحليم حافظ بزيارة الكويت والأردن، وكانت تصاحبة فى الرحلة فرقة رضا والمطربة شريفة فاضل والمطرب سيد الملاح.. ولكن فرقة رضا هى التى اشتركت معه فى حفل لندن مع فرقة اردنية للرقص الشعبى دعتها "الشريفة دينا عبد الحميد التى أشرفت على تنظيم الحفل فى العاصمة الإنجليزية وقد بدأت في الترتيب لإقامة الحفل منذ فترة وأقامت معرضا للفن العربى هناك خصصت ثمن لوحاته المباعة لضحايا العدوان الإسرائيلى الاستعمارى على الدول العربية، بالإضافة إلى دخل الحفل الذى أحياه عبد الحليم وفرقة رضا والفرقة الأردنية
وبيعت تذاكرة جميعا قبل موعد الحفل بأسبوعين وتراوحت فئات التذاكر بين 3 جنيهات استرلينية و2 جنيه وجنيه واحد
وكما جاء في مجلة الكواكب التي تابعت الحفل من لندن فقد عاشت جماهير لندن مع صوت عبد الحليم ثلاث ساعات كاملة.
-الأميرة علياء ابنة الملك حسين ووالدتها الشريفة دينا ..حضرتا الحفل، ووضعت الأميرة دينا على المسرح باقة ورد لتكون فى استقبال عبد الحليم وصفقت طويلا لكل اغنية ..وفى نهاية كل فقرة من فقرات الحفل كانت تسرع الى "الكواليس "لتتحدث مع حليم.
-قضى عبد الحليم اليوم كلة فى بروفات مستمرة على المسرح قضى عبد الحليم اليوم كلة على المسرح ليتناول غذائة ثم عاد ليستأنف البروفات ..ورفعت الستار فى التاسعة تماماعن حليم ليغنى"عدى النهار"واستقبلتة عاصفة مدوية من التصفيق
-صحف لندن فى الصباح التالى ..كلها بلا استثناء ..تحدثت عن حفل عبد الحليم ...كانت العناوين تقول ..ليلة من الف ليلة ..ليلة فن عربية ..سيناترا من السويس هو نجم الحفل العرب.."وسيناترا"تشبية أطلقتة الصحافة الانجليزية على عبد الحليم حافظ .
-فرقة رضا للفنون الشعبية طارت من لندن فى صباح اليوم التالى مباشرة الى بيروت لارتباطها بالعمل على مسرح الكابيتول ...حتى رضا كان قد اتفق على موسم تحيية الفرقة هناك بعد حفل لندن ..وفى الحفل تالقت "فريدة فهمى"و"محمود رضا"واثنت الصحف على اللوحات الراقصة التى قدمتها الفرقة ولم تنسى الفرقة الموسيقية التى يقودها "على اسماعيل".
-التليفزيون الإنجليزى صور فقرات الحفل كلها ..واذاعة لندن العربية سجلت اغنيات عبد الحليم بعد ان اذاعت بعضها على الهواء مباشرة.
- نقلت الحفل إذاعات القاهرة، صوت العرب والشرق الأوسط، فسمع الجميع أغنية المسيح التي هزت قاعة ألبرت هول تصفيقاً وطلب الحضور من العندليب تكرارها أكثر من مرة. ورغم أن الهدف من الأنشودة إنساني - سياسي فقط إلا أن كلماتها الجريئة أثارت بعض المشكلات والخلافات الدينية لدى مشايخ الأزهر، كذلك ذِكر "اليهود" صراحةً في الأغنية أودى بالأغنية إلى المنع من الإذاعة تماماً ولم يُسمح لحليم بغنائها مرة أخرى، ولم تظهر الأغنية للنور إلا منذ وقت قريب.
بسب أغانى حليم الوطنية والتى نددت بالاحتلال البريطانى رفضت بريطانيا دخول عبد الحليم كمريض لتلقى العلاج ولولا الحملة الصحفيه التى قادها الصحفين الشرفاء ببريطانيا ما كان حليم يدخل بريطانيا للعلاج
لم يقتصر الأمر على الانجليز بل كان الاسرائيلين أكثر شراسة فأرسلت العديد من رسايل التهديد بالقتل لحليم أثناء تواجده بفندق مونت رويال بلندن استعداد لإحياء حفلته الشهيرة بمسرح ألبرت هول بناء على طلب الملكة دينا عبد الحميد، وكان مرافقا لحليم بالفندق الإعلامى جلال معوض والمحامى مجدى العروسى والمصور فاروق إبراهيم ولما عرض حليم عليهم الأمر نصحوه بإبلاغ الشرطة أو الااعتذار عن غناء أغنية المسيح، لكنه رفض الحلين واستمر فى عمل البروفات إلا أن جلال معوض أبلغ الشرطة على مسؤليته الشخصية، وقامت الشرطة بتأمين المسرح وتفتيش الحضور لأول مرة فى تاريخ ألبرت هول وبالفعل أثناء عملية التفتيش قبضوا على شخص يخبئ مسدسا فى ملابسه وغنى حليم المسيح واهتزت جدران ألبرت هول وأدى حليم رسالته الوطنية.