تعيش مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، مع تصاعد التحذيرات الدولية من هجوم محتمل لميليشيا الدعم السريع على المدينة، وتزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت حيوية وخدمية، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية والأمنية بصورة تنذر بتحول المدينة إلى ساحة مواجهة جديدة قد تكون لها تداعيات تتجاوز حدود الولاية إلى مجمل المشهد السوداني.
وخلال الأيام الأخيرة، تزامنت التحذيرات الأممية والدولية مع تصاعد الضربات الجوية واستهداف البنية التحتية المدنية، بينما تتحدث تقارير محلية وحقوقية عن حشود عسكرية وتحركات ميدانية متبادلة حول المدينة، ما أثار مخاوف من انزلاق الأوضاع نحو معركة واسعة النطاق في واحدة من أهم المدن الاستراتيجية وسط السودان.
تحذير أممي ودولي غير مسبوق
في تطور لافت، دعت الأمم المتحدة و29 دولة قوات الدعم السريع إلى الامتناع عن شن أي عملية عسكرية ضد مدينة الأبيض، وسط تقارير تشير إلى تعزيزات عسكرية وتحركات متزايدة في محيط المدينة.
وحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش من التداعيات الخطيرة التي قد تنجم عن أي هجوم بري على المدينة، مؤكداً أن المدنيين سيكونون أول المتضررين من أي تصعيد جديد في المنطقة.
ونقل المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك عن جوتيريش قلقه إزاء المعلومات الواردة بشأن الحشود العسكرية حول الأبيض، داعياً جميع الأطراف إلى حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني وتجنب توسيع رقعة القتال.
وتعكس هذه التحذيرات حجم القلق الدولي من احتمال انتقال المعارك إلى مدينة تضم مئات الآلاف من السكان والنازحين، وتعد مركزاً حيوياً يربط غرب السودان بشرقه وشماله.
المسيّرات تفتح جبهة جديدة
وبعد ساعات فقط من صدور التحذيرات الدولية، تعرضت محطة الكهرباء التحويلية الرئيسية في الأبيض لهجوم بطائرة مسيّرة أدى إلى انقطاع كامل للتيار الكهربائي عن المدينة.
ووفق مصادر محلية، فإن الضربة استهدفت المحطة مساء الخميس، قبل أن تتجدد الهجمات صباح الجمعة على مواقع أخرى داخل المدينة، في إطار سلسلة هجمات متواصلة بالطائرات المسيّرة شهدتها الأبيض خلال الأيام الماضية.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن الهجمات لم تقتصر على المنشآت الكهربائية، بل امتدت لتشمل محطات الوقود وشاحنات الإمداد وبعض المرافق الخدمية، ما أدى إلى اضطراب واسع في الخدمات الأساسية.
كما أفادت تقارير محلية بأن الضربات الأخيرة أسفرت عن سقوط أكثر من 40 قتيلاً من المدنيين وإصابة العشرات، وسط صعوبة متزايدة في عمليات الإغاثة والاستجابة الطبية.
مدينة تغرق فى الظلام
أدى استهداف محطة الكهرباء إلى دخول الأبيض في حالة من الإظلام الكامل، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الخدمات الصحية والمياه والاتصالات والأنشطة الاقتصادية.
وتحدث سكان عن تراجع حاد في الخدمات الأساسية مع استمرار انقطاع الكهرباء، بينما باتت حركة المواطنين أكثر صعوبة بسبب المخاوف الأمنية وتراجع وسائل النقل.
كما شهدت المدينة أزمة وقود خانقة بعد تعرض خمس محطات وقود للقصف خلال يوم واحد، وهو ما أثر على حركة المركبات التجارية وعمليات نقل السلع والبضائع داخل المدينة وخارجها.
ويقول مواطنون إن تحليق الطائرات المسيّرة بشكل شبه يومي فوق الأحياء السكنية خلق حالة من الخوف والقلق المستمر، ودفع العديد من الأسر إلى الحد من تنقلاتها واللجوء إلى البقاء داخل منازلها لساعات طويلة.
شبكة أطباء السودان: استهداف ممنهج للبنية التحتية
وأدانت شبكة أطباء السودان الهجمات التي استهدفت منشآت مدنية وخدمية في الأبيض، وعلى رأسها المحطة التحويلية للكهرباء ومحطات الوقود.
وقالت الشبكة إن القصف تسبب في خروج عدد من المرافق الطبية عن الخدمة، بما في ذلك مراكز غسيل الكلى وأقسام الطوارئ، إضافة إلى توقف عدد من محطات المياه، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية داخل المدينة.
وأضافت أن أكثر من مليون مواطن ونازح باتوا يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على الخدمات الأساسية، محذرة من أن استمرار استهداف البنية التحتية يهدد بحدوث كارثة إنسانية واسعة النطاق.
ودعت الشبكة المنظمات الدولية والأممية إلى التدخل العاجل والضغط من أجل وقف استهداف المرافق المدنية وضمان حماية المنشآت الحيوية وفقاً للقانون الدولي الإنساني.
لماذا تمثل الأبيض هدفاً استراتيجياً؟
لا ترتبط أهمية الأبيض بموقعها الجغرافي فقط، بل بدورها العسكري والاقتصادي الحيوي في السودان.
فالمدينة تضم مقر الفرقة الخامسة مشاة "الهجانة"، إحدى أبرز التشكيلات العسكرية التابعة للجيش السوداني، كما تشكل مركزاً رئيسياً لخطوط النقل والتجارة التي تربط ولايات كردفان ودارفور ببقية أنحاء البلاد.
وتحتضن الأبيض كذلك أكبر سوق للصمغ العربي في العالم، ما يمنحها وزناً اقتصادياً استثنائياً ويجعل السيطرة عليها ذات أهمية كبيرة لأي طرف يسعى لتعزيز نفوذه في وسط وغرب السودان.
ويرى مراقبون أن هذه الاعتبارات مجتمعة تفسر تصاعد الضغوط العسكرية حول المدينة خلال الأشهر الأخيرة.
الجيش يقلل من احتمالات سقوط المدينة
ورغم تصاعد المخاوف، استبعد رئيس هيئة الأركان السوداني السابق الفريق هاشم عبد المطلب سقوط الأبيض في يد قوات الدعم السريع.
وقال إن الهجمات الأخيرة تستهدف بالأساس الضغط على الجيش السوداني وتعطيل عملياته العسكرية في اتجاه إقليم دارفور، أكثر من كونها تمثل مقدمة لسيطرة وشيكة على المدينة.
كما أكد ضباط في الفرقة الخامسة مشاة أن قوات الدعم السريع لا تزال بعيدة عن حدود الأبيض، نافين صحة التقارير التي تتحدث عن حصار فعلي للمدينة أو اقتراب القوات المهاجمة من مداخلها الرئيسية.
مخاوف من تكرار سيناريو الفاشر
في المقابل، يحذر خبراء عسكريون من أن نمط العمليات الجارية حول الأبيض يشبه إلى حد كبير الأسلوب الذي سبق سقوط مدينة الفاشر بعد أشهر من الاستنزاف العسكري والضغط على الخدمات الأساسية.
ويشير هؤلاء إلى أن استهداف الكهرباء والوقود والبنية التحتية المدنية قد يكون جزءاً من استراتيجية تهدف إلى إنهاك المدينة وإضعاف قدرتها على الصمود، ودفع السكان إلى النزوح، بدلاً من الاعتماد على المواجهة العسكرية المباشرة فقط.
كما يرى محللون أن الطائرات المسيّرة أصبحت أداة رئيسية في الصراع السوداني، بعدما أثبتت قدرتها على إحداث تأثير كبير في العمق المدني والعسكري بكلفة أقل مقارنة بالعمليات التقليدية.
دارفور أيضاً تحت النار
وفي موازاة التطورات في الأبيض، أعلنت مجموعة "محامو الطوارئ" مقتل تسعة مدنيين وإصابة آخرين في هجمات نفذتها قوات الدعم السريع على محليتي المالحة وأمبرو بولاية شمال دارفور.
وقالت المجموعة إن طائرة مسيّرة استهدفت سوق منطقة أم بياضة بمحلية المالحة، ما أدى إلى احتراق السوق بالكامل وتدمير واسع للممتلكات المدنية.
كما تعرضت عربة لنقل الركاب في سوق صابرين لهجوم أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، فيما تحدثت المجموعة عن استمرار الهجمات على عدد من القرى والمناطق السكنية منذ منتصف يونيو الجاري.
واعتبرت "محامو الطوارئ" أن هذه الهجمات قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، داعية إلى وقف فوري لاستهداف المدنيين والأسواق ومصادر المعيشة وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين.
الأبيض بين الحرب والكارثة الإنسانية
ومع استمرار الحشود العسكرية والتحذيرات الدولية وتدهور الخدمات الأساسية، تبدو الأبيض أمام مرحلة مفصلية قد تحدد مسار الصراع في وسط السودان خلال الفترة المقبلة.
ففي الوقت الذي تتصاعد فيه المخاوف من هجوم واسع النطاق، تتزايد كذلك التحذيرات من أن أي معركة داخل المدينة أو حولها ستدفع مئات الآلاف من المدنيين إلى مواجهة أوضاع إنسانية أكثر قسوة، في ظل محدودية الموارد وتراجع قدرة المؤسسات الخدمية والصحية على الاستجابة.
وبين الحسابات العسكرية والضغوط الإنسانية، تبقى الأبيض واحدة من أخطر نقاط التوتر في السودان اليوم، وسط دعوات متزايدة لتجنب تحويلها إلى ساحة حرب جديدة قد تضيف فصلاً أكثر مأساوية إلى الصراع المستمر منذ أكثر من ثلاثة أعوام.