** الإدارة المركزية للسياحة والمصايف: تراجع حوادث الغرق على الشواطئ المصرية بنسبة 70% بفضل منظومة الإنقاذ
** وزارة السياحة والآثار وغرفة المنشآت السياحية تشددان على الالتزام بمعايير السلامة وتوفير منقذين مؤهلين
** رئيس اتحاد الغوص والإنقاذ: لا نمنح شهادات أو كارنيهات الإنقاذ إلا بعد اجتياز اختبارات صارمة
مع انتهاء موسم الامتحانات الدراسية بالصفوف والشهادات المختلفة، وبداية الإجازة الصيفية، تستعد عشرات الأسر للسفر مع أبنائها لقضاء قسط من الراحة بعد موسم طويل من التحصيل الدراسى والامتحانات، وغالبا ما يكون المقصد الأول هو التوجه إلى المحافظات الساحلية للاستمتاع بأجوائها وشواطئها بعيدا عن حرارة الطقس.
وبينما تنشغل الأسر بالاستمتاع بالبحر واللهو على الشواطئ، هناك رجال لا تلهيهم هذه الأجواء الصاخبة عن أداء عملهم. يقفون خلف الأبراج العالية أو بجوارها، ينتشرون بطول الشاطئ، عيونهم لا تفارق البحر، وآذانهم مرهفة لأى إشارة قد تنذر بالخطر. أجسادهم فى حالة تأهب مستمر، وتركيزهم لا ينقطع، ولا ينتظرون الاستغاثة حتى يتحركوا، فهم يعملون وفق مبدأ «الوقاية خير من العلاج». منهم من يظل فى حالة متابعة دائمة داخل البحر على مراكب الإنقاذ، ومنهم من يتمركز بجوار معدات الإنقاذ فى انتظار أى إشارة تستدعى التدخل الفورى.
.jpg)
وبمجرد أن تقع عيناك عليهم، تشعر بشىء من الطمأنينة. إنهم رجال الإنقاذ البحرى الذين اختاروا مهنة حماية الأرواح، وهى مهنة تتطلب مهارات خاصة وساعات طويلة من التدريبات الشاقة حتى يصبح الشخص مؤهلا للعمل بها، فهم يقفون كخط الدفاع الفاصل بين الحياة والموت، حيث لا مجال للخطأ ولا فرصة للتردد. وبفضل جهود هؤلاء الرجال الذين يعملون ليلا ونهارا فى مهنة لا تخلو من المخاطر، تراجعت نسب الغرق بنحو 70%، وفقا لبيانات الإدارة المركزية للسياحة والمصايف.
وخلف الأبراج العالية وزوارق ومعدات الإنقاذ والصافرات التحذيرية والزى المميز لحراس الأرواح على الشواطئ، حاولنا من خلال هذا التحقيق الاستماع إلى العاملين بهذه المهنة والتعرف على طبيعتها، وكشف التحديات التى تواجه أصحابها والمتاعب التى يتعرضون لها أثناء أداء رسالتهم الإنسانية.
وقبل التطرق إلى الشهادات التى استمعنا إليها من أصحاب المهنة، كان لا بد من التعرف على الاشتراطات التى وضعها الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ لمزاولة العمل فى هذا المجال، والتى تشمل اجتياز مجموعة من الاختبارات الفنية والبدنية، فى مقدمتها السباحة الحرة لمسافة 200 متر خلال خمس دقائق دون توقف، والغطس تحت الماء لمسافة 25 مترا كاملة دون ظهور أى جزء من الجسم فوق سطح الماء، فضلا عن اجتياز الاختبارات العملية الخاصة بمهارات الإنقاذ والإسعافات الأولية، والتأكد من اللياقة الصحية للمتقدم قبل منحه الشهادة وكارنيه مزاولة المهنة المعتمدين من الاتحاد.

ويقول الكابتن كريم، الطالب بالفرقة الثالثة بكلية التربية الرياضية بجامعة المنيا، ومن أبناء المحافظة نفسها: «أعمل فى مهنة الإنقاذ منذ سن مبكرة، فهى مهنة ترتبط بهوايتى الأساسية وهى السباحة، التى أمارسها وأتفوق فيها منذ الصغر، لذلك كان من أسباب سعادتى أن أجمع بين مصدر رزقى وهوايتى فى الوقت ذاته من خلال العمل فى مجال الإنقاذ، وذلك بعد اجتياز الاختبارات والشروط التى وضعها الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ، والحصول على التصاريح اللازمة للعمل فى هذه المهنة، والمتمثلة فى الكارنيه والشهادة المعتمدين والصادرين عن الاتحاد».
ويتابع: «بقدر سعادتى بالعمل فى هذه المهنة التى تجمع بين هوايتى ودراستى، فإن هناك بعض العوائق التى تواجه المنقذين، ومن أهمها ضرورة تشديد الرقابة على بعض الفنادق والقرى السياحية للتأكد من التزامها بتوفير منقذين مؤهلين ومعتمدين من الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ، فالمسألة لا تعتمد على إجادة السباحة فقط، وإنما يجب التأكد من استيفاء جميع الشروط المقررة للعمل فى هذه المهنة، نظرا لحساسيتها الشديدة وارتباطها المباشر بحماية الأرواح».
وأضاف: «بعض الشركات تتعامل مع المسألة باعتبارها مجرد توفير أفراد قادرين على السباحة، متجاهلة أن مهنة الإنقاذ تتطلب تدريبا متخصصا ومهارات فنية دقيقة، تشمل القدرة على مراقبة الشاطئ والتعامل مع حالات الغرق وتقديم الإسعافات الأولية واستخدام معدات الإنقاذ المختلفة».
وأكد أن العمل فى مجال الإنقاذ لا يقتصر على الحصول على الكارنيه أو الشهادة فقط، بل يتطلب تأهيلا مستمرا وتدريبا عمليا دائما يضمن قدرة المنقذ على تحمل تلك المسؤولية الكبيرة والتعامل مع المواقف الطارئة بكفاءة وسرعة.
ومن جانبه، يقول أحمد رجب، أحد المنقذين: «أعمل بهذه المهنة منذ سنوات، واكتسبت من خلالها خبرات عديدة فى مجال الإنقاذ نتيجة تراكم المواقف التى مررت بها خلال سنوات عملى فى أماكن مختلفة، سواء على الشواطئ المفتوحة أو داخل حمامات السباحة. ومن خلال هذه الخبرة أستطيع التحدث عن عدد من الأزمات التى تواجه المنقذين، والتى أتمنى العمل على تجاوزها نظرا لأهميتها وارتباطها الوثيق بالسياحة، فضلا عن رسالتها الأساسية المتمثلة فى الحفاظ على الأرواح».

وأضاف: «من أبرز هذه المشكلات عدم التزام بعض الشركات والمنشآت السياحية بالرواتب والأجور التى يتم الاتفاق عليها مع المنقذين، فكثير من فرص العمل يتم الإعلان عنها برواتب محددة ومتفق عليها مسبقا، لكن بعض العاملين يفاجأون بعد بدء العمل بخصومات مالية تُستقطع من رواتبهم دون مبررات واضحة أو إخطار مسبق».
وأوضح أن بعض الشركات تبرر تلك الخصومات بأسباب تتعلق بالحضور والانصراف، رغم التزام العاملين بأنظمة البصمة وسجلات الحضور الرسمية المعتمدة.
ولا تتوقف الشكاوى عند مستوى الأجور فقط، بل تمتد إلى ظروف الإقامة والمعيشة، حيث استشهد بتجربته الشخصية داخل إحدى القرى السياحية، موضحا أنه أقام مع عدد من زملائه المنقذين فى غرفة تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير الراحة والصحة، لدرجة انتشار الحشرات داخل المراتب، فضلا عن أن الوجبات الغذائية المقدمة للمنقذين لم تكن بالمستوى المطلوب، بالإضافة إلى بُعد أماكن الإقامة عن مواقع العمل.
وطالب بضرورة تشديد الرقابة على القرى والمنشآت السياحية التى يعمل بها المنقذون، وتحسين بيئة العمل وتطبيق حد أدنى عادل للأجور يراعى حجم المخاطر والمسؤوليات التى يتحملها العاملون بهذه المهنة.
بينما يرى محمد السيد، أحد المنقذين، أن أشد ما يعانى منه العاملون فى هذه المهنة هو عدم وجود كيان قانونى يدافع عنهم ويعمل على تحقيق مصالحهم، موضحا أن كثيرا من المنقذين يعملون دون علاقة تعاقدية واضحة، الأمر الذى يعرضهم لمواقف بالغة الصعوبة فى حال تعرضهم لأى أزمة تتعلق بطبيعة العمل أو عند الإخلال باتفاقات الأجور أو الإقامة، ويجعلهم الطرف الأضعف بصورة دائمة.
ومن أبرز الشكاوى التى تكررت فى شهادات عدد من المنقذين، تكليفهم بأعمال لا ترتبط بطبيعة عملهم الأساسية، ومنها أعمال النظافة أو الخدمات العامة داخل بعض المنشآت، مثل تنظيف الشواطئ من المخلفات، واستقبال المصطافين، وفرش الكراسى ووضع المظلات، وهى أعمال بعيدة تماما عن وظيفتهم الأساسية، وهى الإنقاذ، التى من المفترض أن يتفرغ لها المنقذ بشكل كامل طوال ساعات العمل، بحسب ما يؤكده إيهاب ربيع، أحد المنقذين.
ويضيف: «للأسف الشديد، هناك من يسعى إلى تقليل النفقات فيعمد إلى تشغيل المنقذين فى أكثر من مهمة، من بينها استقبال المصطافين وخدمتهم على الشواطئ وتوفير المقاعد والشماسى وتنظيف الشواطئ، وهى مهام بعيدة كل البعد عن مهمة المنقذ الأساسية المرتبطة بحماية الأرواح، وهى مهمة لا تحتمل الخطأ أو الغفلة أو التشتت بسبب الانشغال بأعمال أخرى لا علاقة لها بطبيعة الوظيفة».
وكشف أن سبب انتشار هذه الممارسات يعود إلى استعانة بعض الأماكن بشباب صغار السن وغير معتمدين من الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ، يقبلون العمل بأى أجر باعتبارها فرصة لقضاء إجازة صيفية مدفوعة الأجر، وهو ما يؤثر على المهنة وعلى معايير السلامة المطلوبة داخل الشواطئ والمنشآت السياحية.
ويرى أحمد رجب، أن هذه الممارسات تمثل إهدارا للدور الأساسى للمنقذ، الذى يفترض أن يظل متفرغا لمراقبة الشاطئ وتأمين الرواد والتعامل مع أى حالات طارئة قد تحدث فى أى لحظة.
كما لفت إلى أن بعض الشواطئ تعانى من نقص أعداد المنقذين مقارنة بمساحتها وعدد الرواد المترددين عليها، وهو ما يزيد من حجم الضغوط الواقعة على العاملين ويؤثر على كفاءة توزيع المهام وفترات الراحة اللازمة خلال ساعات العمل الطويلة.
وفى السياق ذاته، يشكو المنقذ محمد حسن من طبيعة العمل فى بعض المنشآت السياحية، موضحا أن عددا منها يعتمد على العمالة الموسمية، حيث تتم الاستعانة بأعداد كبيرة من العاملين خلال موسم الصيف ثم الاستغناء عنهم مع بداية فصل الشتاء، وهو ما يسهم فى زيادة فرص عمل الدخلاء والهواة وغير المتخصصين، كما يفتح الباب أمام عدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور وعدم إبرام عقود عمل واضحة أو توفير أى حماية قانونية للعاملين.
ومن جانبه، يقول محمد مرشدى زهران، رئيس جمعية الإنقاذ وحماية البيئة بالغردقة: «من خلال أنشطة الجمعية نعمل على إعداد المنقذين وتأهيلهم، ومنحهم شهادات صادرة عن الجمعية وموثقة تتيح لهم العمل فى أماكن مختلفة، وذلك بعد إعدادهم بشكل مناسب لهذه المهمة، إلى جانب قيام الجمعية بأعمال تنظيف الشواطئ وقاع البحر من المخلفات المختلفة فى إطار جهود حماية البيئة والحياة البحرية».
وأضاف زهران: «فيما يتعلق بعمل المنقذين، فإن دور الجمعية يقتصر على إعداد الشخص المؤهل ومنحه الموافقات اللازمة للقيام بهذه المهمة، دون التدخل فى ظروف العمل أو المشكلات التى قد يتعرض لها خلال ممارسته للمهنة».
وتابع: «اختصاص الجمعية بهذه المهمة، التى يتم تنفيذها مجانا دون تحميل المشترك أو المتدرب أى رسوم، يأتى فى إطار المساهمة فى تشغيل الشباب ومواجهة البطالة، خاصة أن وجود الجمعية فى الغردقة ارتبط منذ البداية بمهنة الإنقاذ».
إلا أن هذه الشهادة تتعارض مع ما يؤكده سامح الشاذلى، رئيس الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ، الذى شدد على أنه لا يحق لأى جمعية أو كيان، أيا كان مسماه، منح موافقات أو إصدار شهادات أو كارنيهات تخول لحاملها مزاولة مهنة الإنقاذ، مؤكدا أن الجهة الوحيدة المخولة بذلك هى الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ، وفق اشتراطات فنية وقانونية محددة يتم تطبيقها بصورة صارمة.
وأوضح الشاذلى، أن الاتحاد يعمل فقط مع الكوادر المعتمدة وأصحاب الاعتمادات الرسمية، وأن إصدار الموافقات يتم بعد اجتياز اختبارات دقيقة للتأكد من صلاحية المتقدم للعمل فى هذه المهنة من الناحية البدنية والنفسية والفنية، نظرا لخطورة المهنة وارتباطها المباشر بحماية الأرواح.
وأكد رئيس الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ، أن عمل الاتحاد يقتصر على منح الموافقات الرسمية المتمثلة فى الشهادات والكارنيهات بعد اجتياز اختبارات دقيقة وصارمة، للتأكد من قدرة المتقدم على أداء مهام الإنقاذ والتعامل مع المواقف الطارئة المختلفة بكفاءة كاملة.
وطالب الشاذلى، بضرورة التفرقة بين مهنة الغوص ومهنة الإنقاذ المائى، فرغم ارتباط النشاطين بالمياه، فإن الفارق بينهما جوهرى سواء من حيث الهدف أو طبيعة المسؤولية أو مستوى المخاطر.
وأوضح أنه فى الوقت الذى ينزل فيه الغواص إلى أعماق البحر لأغراض متعددة، مثل الاستكشاف أو التصوير أو أعمال الصيانة أو البحث العلمى، فإنه يعمل داخل بيئة مخططة يتم الإعداد لها مسبقا، مع توافر معدات متخصصة توفر قدرا كبيرا من الأمان.
أما المنقذ المائى، فمهمته مختلفة تماما، إذ يعمل فى ظروف طارئة وغير متوقعة داخل نطاق الشواطئ أو حمامات السباحة، وتتمثل مهمته الأساسية فى التدخل السريع لحماية الأرواح من خطر الغرق.
وأضاف أن عمل المنقذ يقوم على الملاحظة المستمرة والوقاية قبل الإنقاذ، حيث تبدأ مهمته من أعلى نقطة مراقبة على الشاطئ أو بجوار حمام السباحة، من خلال رصد أى سلوك قد يؤدى إلى وقوع خطر والتدخل قبل تفاقم الموقف.
وأشار إلى أن اشتراطات ممارسة الغوص تختلف عن اشتراطات الإنقاذ، حيث تتطلب اجتياز دورات تدريبية معتمدة فى الغوص الترفيهى أو المهنى، والتدرج فى مستويات الشهادات وفق أنظمة الاتحادات الدولية، إلى جانب الإلمام الكامل باستخدام معدات الغوص المختلفة، مثل أسطوانات الهواء ومنظمات التنفس وبدلات الغطس وأجهزة التحكم فى الطفو.
كما يشترط على الغواص اجتياز اختبارات السلامة واللياقة البدنية والقدرة على التعامل مع ضغط الأعماق وتغيراته، ومعرفة إجراءات الطوارئ تحت الماء، مثل فقدان الهواء أو التعامل مع المشكلات الفنية، بالإضافة إلى الالتزام بخطة الغوص المحددة مسبقا وعدم الخروج عنها، حيث يعمل الغواص غالبا ضمن فريق منظم وتحت إشراف مباشر، مع إجراء فحوص دورية للمعدات قبل النزول إلى الماء.
ومن جانبها، شددت وزارة السياحة والآثار وغرفة المنشآت السياحية، على ضرورة الالتزام الكامل بمعايير السلامة والإنقاذ داخل الشواطئ وحمامات السباحة، حفاظا على أرواح الرواد والنزلاء، وذلك من خلال خطابات رسمية تم توجيهها إلى المنشآت السياحية المختلفة.
وأكدت التعليمات ضرورة حصول المنقذ على دورات الإنقاذ والإسعافات الأولية المعتمدة من الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ، والالتزام بالزى الرسمى المعتمد، والمتمثل فى قبعة حمراء، وقميص أصفر، وشورت أحمر، إلى جانب حقيبة إسعافات أولية شخصية.
كما شددت على ضرورة التزام المنقذ بموقع العمل والمهام المكلف بها، وعدم الانشغال بأى أعمال أخرى قد تؤثر على قدرته فى أداء مهامه الأساسية، مع توفير الأعداد المناسبة من المنقذين وفقا لطبيعة كل منشأة.
وتضمنت الاشتراطات ضرورة توافر أدوات ومعدات الإنقاذ الأساسية، وتشمل أطواق النجاة المزودة بالحبال، وألواح الإنقاذ، وعصى الإنقاذ، ووسائل الاتصال الثابتة أو المتحركة، وسترات النجاة، وصافرات الإنذار، وحقائب الإسعافات الأولية، وأسطوانات الأكسجين المزودة بمنظمات بسعة تتراوح بين 4 و6 لترات، وأقنعة الأكسجين، والأعلام التحذيرية، بالإضافة إلى تحديد مناطق السباحة الآمنة بالشواطئ من خلال الحبال والكرات العائمة، بما يضمن أعلى درجات الحماية والسلامة لرواد الشواطئ وحمامات السباحة.
