حتى قبل الإعلان عن بنود الاتفاق لإنهاء الحرب، هناك بعض الاختلافات فى الروايات بين الجانبين الأمريكى والإيرانى، وهى اختلافات طبيعية فى ظل توجه كل طرف لجمهوره، والحقيقة أن الإعلانات الرسمية الصادرة عن الطرفين «الأمريكى والإيرانى»، أو عن الوسيط الباكستانى، اتفاق على بنود واحدة هى التى يمكن الاعتماد عليها، ومع هذا هناك فجوة واضحة وتناقض بين الطرفين فى تفسير «ما تم الاتفاق عليه» خلف الكواليس، فى الملفين النووى والإقليمى، وحتى فى مضيق هرمز، وهى اختلافات مستمرة من بداية التفاوض، وكما قلنا فإن القنوات الخلفية هى الأصدق، بعيدا عن خطابات يطرحها كل طرف لجمهوره، مع الأخذ فى الاعتبار أن هناك أطرافا اعتادت المبالغة فى بيانات إعلان تحقيق انتصارات غير حقيقية، وفى الغالب فإن الحقائق كلها حول ما جرى من دمار لدى كل طرف، سوف يظهر خلال أسابيع فى حال الانتهاء من الاتفاق.
ومن البنود التى تم تأكيدها رسميا من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، عبر حساباته الرسمية، ومن الجانب الإيرانى والوسيط الباكستانى، إنهاء الحصار البحرى الأمريكى، وأكد ترامب أنه أصدر توجيهاته لإنهاء الحصار البحرى عن الموانئ الإيرانية فورا، للسماح بتدفق النفط، وإعادة فتح مضيق هرمز، حيث التزمت إيران بفتح المضيق بالكامل أمام الملاحة الدولية وتأمين حركة السفن دون رسوم أو قيود.
وبالتالى فلا توجد أى إشارات إلى سيطرة إيرانية على المضيق أو تحصيل رسوم إلى آخر البنود التى تم تسريبها، فقد شدد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب والبيت الأبيض على أن فتح مضيق هرمز يجب أن يكون مجانيا بالكامل ودون قيود، حيث أعلنت واشنطن انتزاع التزام دولى وقانونى من إيران بعدم استخدام المضيق كـ«ورقة ابتزاز» أو تهديد للإمدادات النفطية العالمية مستقبلا تحت أى ظرف، معتبرة المضيق ممرا مائيا دوليا لا يخضع لفرض رسوم عبور أو تفتيش تعسفى من الحرس الثورى، بينما إيران رغم موافقتها الرسمية فى «مذكرة التفاهم» على إعادة فتح المضيق وإنهاء حالة الاستنفار البحرية، إلا أنها تعتبر أمن المضيق شأنا إقليميا يخص الدول المطلة عليه «وعلى رأسها إيران».
ويعد الاتفاق مذكرة تفاهم تتبعها مرحلة تهدئة ومفاوضات فنية تستمر لـ60 يوما على الملفات الأكثر تعقيدا، ولا يمنع هذا من وجود بنود مختلف عليها، توجد رواية إيرانية وأخرى أمريكية، فقد روجت وسائل الإعلام الإيرانية لحصول طهران على رفع كامل للعقوبات وإطلاق سراح واسع للأصول، بينما الرواية الأمريكية تعلن رفع عقوبات مؤقتا ومشروطا بمدى التزام إيران خلال فترة الـ60 يوما المقبلة، وبالتالى لم تعلن واشنطن رفع العقوبات بشكل دائم، بل ربطت أى تخفيف مستقبلى بتقديم إيران تنازلات ملموسة فى ملف التخصيب.
وفيما يتعلق بلبنان فإن الرواية الإيرانية أن الاتفاق يتضمن وقفا شاملا ودائما للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فى ذلك لبنان، بينما تصر الولايات المتحدة والجانب الإسرائيلى على فصل الملفات؛ حيث ضغطت واشنطن لإجراء مسار تفاوضى منفصل ومباشر مع الحكومة اللبنانية، وتؤكد الإدارة الأمريكية أن لجم العمليات العسكرية مرتبط بوقف دعم الفصائل المسلحة، ولم توافق أمريكا على بند «انسحاب قواتها من المنطقة»، الذى طالبت به طهران فى خطتها المبدئية. وهنا يوجد خلاف واضح لأن التفاوض يفترض أنه مع الدولة اللبنانية، وليس مع إيران، ما يجعل عملية الفصل بجانب منطقيتها، تسير بالاتجاه الذى يبعد حزب الله، ويصب فى اتجاه تغيير موقف الوكلاء لإيران.
أما الملف النووى فإن الرواية الإيرانية تقول إن الاتفاق الحالى يحفظ حقها فى التخصيب المدنى، وأن النقاش النووى تم تأجيله ليكون مجرد إطار للمستقبل. فى المقابل يؤكد البيت الأبيض ومسؤولو الأمن القومى، أن تفكيك برنامج التخصيب الإيرانى العالى وإخراج مخزون اليورانيوم المخصب إلى بلد ثالث هو شرط لا غنى عنه للوصول إلى اتفاق دائم، وهو ما سيكون العقدة الأكبر فى جولات التفاوض القادمة.
الشاهد أن هناك اتفاقا فى الروايتين فيما يتعلق بالجوانب العسكرية ووقف الحرب، لكنه يزدحم بالمبالغات فى الشقين الاقتصادى والنووى، وبالطبع فإن الشهور المقبلة سوف تكشف مدى الحقيقة بعيدا عن المبالغات من أى طرف، وللأسف استند إليها بعض المحللين مثلما استندوا إلى بيانات أثناء الحرب اتضح عدم صحتها، مثل بند تم تسريبه بأن الولايات المتحدة ستقدم 300 مليار دولار لإعادة الإعمار، وهو أمر لم يرد فى أى من الروايات غير بعض المحللين، الذين اعتادوا عدم التمييز بين الخطب والاتفاقات.
إلى جانب أن هناك جهودا سوف تبذل من اللجان الفنية، مع الأخذ فى الاعتبار أن هذه الجولة من الحرب ربما لا تكون آخر تصفيات 7 أكتوبر 2023، وإنما سوف ترتب المزيد من الترتيبات الإقليمية، بشكل ربما يضع المنطقة كلها فى أوضاع تختلف عما كان قبل 7 أكتوبر، ولا يمكن لأى طرف أن يعلن انتصاره، فقد كسرت هذه الجولات الكثير من الادعاءات لدى كل الأطراف، ومصير الوكلاء الذى لا يتوقع أن يظل كما كان.